فصل: الْمُتَّصِلُ وَالْمَوْصُولُ

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: ‏فتح المغيث شرح ألفية الحديث ***


الْقِسْمُ الثَّالِثُ‏:‏ الضَّعِيفُ

90- أَمَّا الضَّعِيفُ فَهْوَ مَا لَمْ يَبْلُغِ *** مَرْتَبَةَ الْحُسْنِ وَإِنْ بَسْطٌ بُغِي

91- فَفَاقِدٌ شَرْطَ قَبُولٍ قِسْمُ *** وَاثْنَيْنِ قِسْمٌ غَيْرُهُ وَضَمُّ

92- سِوَاهُمَا فَثَالِثٌ وَهَكَذَا *** وَعُدْ لِشَرْطٍ غَيْرِ مَبْدُوءٍ فَذَا

93- قِسْمٌ سِوَاهَا ثُمَّ زِدْ غَيْرَ الَّذِي *** قَدَّمْتُهُ ثُمَّ عَلَى ذَا فَاحْتَذِي

94- وَعَدَّهُ الْبُسْتِيُّ فِيمَا أَوْعَى *** لِتِسْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ نَوْعَا‏.‏

‏(‏أَمَّا الضَّعِيفُ فَهُوَ مَا لَمْ يَبْلُغِ مَرْتَبَةَ الْحَسَنِ‏)‏ وَلَوْ بِفَقْدِ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ، وَلَا احْتِيَاجَ لِضَمِّ الصَّحِيحِ إِلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ حَيْثُ قَصُرَ عَنِ الْحَسَنِ، كَانَ عَنِ الصَّحِيحِ أَقْصَرَ، وَلَوْ قُلْنَا بِتَبَايُنِهِمَا‏.‏

‏(‏وَإِنْ بَسْطٌ بُغِي‏)‏ أَيْ‏:‏ وَإِنْ طُلِبَ بَسْطٌ وَتَرْكِيبٌ لَأَقْسَامِهِ ‏(‏فَفَاقِدُ شَرْطِ قَبُولٍ قِسْمُ‏)‏ أَيْ‏:‏ شَرْطًا مِنْ شُرُوطِ الْمَقْبُولِ الَّذِي هُوَ أَعَمُّ مِنَ الصَّحِيحِ وَالْحَسَنِ، وَهِيَ سِتَّةٌ‏:‏

اتِّصَالُ السَّنَدِ، وَالْعَدَالَةُ، وَالضَّبْطُ، وَنَفْيُ الشُّذُوذِ، وَنَفْيُ الْعِلَّةِ الْقَادِحَةِ، وَالْعَاضِدُ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ إِلَيْهِ، الَّتِي بِالنَّظَرِ لِانْتِفَائِهَا اجْتِمَاعًا وَانْفِرَادًا تَتَعَدَّدُ أَقْسَامُهُ، فَفَقْدُ الِاتِّصَالِ مَثَلًا قِسْمٌ تَحْتَهُ ثَلَاثَةٌ‏:‏ الْمُرْسَلُ، وَالْمُنْقَطِعُ، وَالْمُعْضَلُ‏.‏

‏(‏وَ‏)‏ فَاقِدٌ ‏(‏اثْنَيْنِ‏)‏ مِنْهَا؛ وَهُمَا الِاتِّصَالُ مَعَ آخَرَ مِنَ الْخَمْسَةِ الْبَاقِيَةِ ‏(‏قِسْمٌ غَيْرُهُ‏)‏ أَيْ‏:‏ غَيْرُ الْأَوَّلِ تَحْتَهُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ بِالنَّظَرِ إِلَى الضَّعِيفِ وَالْمَجْهُولِ اللَّذَيْنِ يَشْمَلُهُمَا فَقْدُ الْعَدَالَةِ؛ لِأَنَّكَ تَضْرِبُهُمَا، وَالَأَرْبَعَةَ الْبَاقِيَةَ فِي الثَّلَاثَةِ الدَّاخِلَةِ تَحْتَ فَقْدِ الِاتِّصَالِ، فَتَبْلُغُ ذَلِكَ، وَحِينَئِذٍ فَمَجْمُوعُ الْقِسْمَيْنِ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ قِسْمًا‏.‏

‏(‏وَضَمُّ سِوَاهُمَا‏)‏ أَيْ‏:‏ وَضَمُّ وَاحِدٍ غَيْرِ فَقْدِ الِاتِّصَالِ، وَالْآخَرِ الَّذِي فُقِدَ مَعَهُ مِنْ بَاقِيهَا إِلَيْهَا بِحَيْثُ يَصِيرُ الْمَفْقُودُ ثَلَاثَةً لَا غَيْرَ ‏(‏فـَ‏)‏ ذَلِكَ قِسْمٌ ‏(‏ثَالِثٌ‏)‏ تَحْتَهُ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ؛ لِأَنَّكَ تَضُمُّ إِلَى مَا فُقِدَ فِيهِ الِاتِّصَالُ بِأَقْسَامِهِ مَعَ قِسْمَيِ الْعَدَالَةِ، وَإِلَى مَا فُقِدَ فِيهِ الِاتِّصَالُ بِأَقْسَامِهِ مَعَ الضَّبْطِ، وَإِلَى مَا فُقِدَ فِيهِ الِاتِّصَالُ بِأَقْسَامِهِ مَعَ الْعَاضِدِ- الشُّذُوذَ مَرَّةً وَالْعِلَّةَ أُخْرَى‏.‏

وَإِلَى مَا فُقِدَ فِيهِ الِاتِّصَالُ بِأَقْسَامِهِ مَعَ قِسْمَيِ الْعَدَالَةِ، الضَّبْطَ تَارَةً، وَالْعَاضِدَ أُخْرَى، وَكَذَا مَا فُقِدَ فِيهِ الِاتِّصَالُ بِأَقْسَامِهِ مَعَ شَرْطَيْنِ آخَرَيْنِ؛ وَهُمَا اجْتِمَاعُ الشُّذُوذِ وَالْعِلَّةِ، فَتِلْكَ ثَلَاثَةٌ، وَبِهَا يَصِيرُ هَذَا الْقِسْمُ تِسْعَةً وَثَلَاثِينَ‏.‏

‏(‏وَهَكَذَا‏)‏ فَافْعَلْ إِلَى آخِرِ الشُّرُوطِ؛ فَخُذْ مَا فُقِدَ فِيهِ شَرْطٌ آخَرُ مَضْمُومًا إِلَى فَقْدِ الشُّرُوطِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَهُوَ قِسْمٌ آخَرُ تَحْتَهُ اثْنَا عَشَرَ؛ لِأَنَّكَ تَضُمُّ إِلَى مَا فُقِدَ فِيهِ الِاتِّصَالُ بِأَقْسَامِهِ مَعَ قِسْمَيِ الْعَدَالَةِ، وَإِلَى مَا فُقِدَ فِيهِ الِاتِّصَالُ بِأَقْسَامِهِ مَعَ الضَّبْطِ، وَإِلَى مَا فُقِدَ فِيهِ الِاتِّصَالُ بِأَقْسَامِهِ مَعَ الْعَاضِدِ- الشُّذُوذَ وَالْعِلَّةَ مَعًا‏.‏

ثُمَّ ارْتَقِ إِلَى مَا فُقِدَ فِيهِ خَمْسَةٌ أَوْ سِتَّةٌ، مِنْهَا فَقْدُ الِاتِّصَالِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ تَجْمَعَ أَقْسَامَ الِاتِّصَالِ أَوِ اثْنَيْنِ مِنْهَا‏.‏

وَكَذَا قِسْمَيِ الْعَدَالَةِ بِأَنْ تَجْعَلَ مَثَلًا الْمُرْسَلَ مَعَ الْمُنْقَطِعِ أَوْ مَعَ الْمُعْضَلِ، أَوِ الضَّعِيفَ مَعَ الْمَجْهُولِ فِي قِسْمٍ وَاحِدٍ ‏(‏وَ‏)‏ بَعْدَ الِانْتِهَاءِ مِنْ هَذَا الشَّرْطِ وَهُوَ الِاتِّصَالُ ‏(‏عُدْ‏)‏ أَيِ‏:‏ ارْجِعْ ‏(‏لِشَرْطٍ غَيْرِ مَبْدُوءٍ‏)‏ بِهِ أَوَّلًا؛ وَهُوَ الْعَدَالَةُ مَثَلًا ‏(‏فَذَا قِسْمٌ سِوَاهَا‏)‏ أَيِ‏:‏ الْأَقْسَامِ الْمَاضِيَةِ تَحْتَهُ اثْنَانِ‏.‏

‏(‏ثُمَّ زِدْ‏)‏ مَعَ كُلٍّ مِنْ هَذَيْنِ ‏(‏غَيْرَ الَّذِي قَدَّمْتَهُ‏)‏ وَتَحْتَهُ ثَمَانِيَةٌ؛ لِأَنَّكَ تَضُمُّ مَا فُقِدَ فِيهِ الضَّبْطُ أَوِ الْعَاضِدُ أَوْ فِيهِ شُذُوذٌ أَوْ عِلَّةٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا ‏(‏ثُمَّ عَلَى ذَا‏)‏ الْحَذْوِ ‏(‏فَاحْتَذِي‏)‏ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ، أَيِ‏:‏ اقْتَدِ أَنْتَ‏.‏

وَالْمَعْنَى أَنَّكَ تُكْمِلُ هَذَا الْعَمَلَ الثَّانِيَ الَّذِي بَدَأْتَهُ بِفَقْدِ الشَّرْطِ الْمُثَنَّى بِهِ، كَمَا كَمَّلْتَ الْأَوَّلَ؛ بِأَنْ تَضُمَّ إِلَى فَقْدِ الْعَدَالَةِ بِقِسْمَيْهَا، وَالْآخَرَ الَّذِي فُقِدَ مَعَهُ مِنْ بَاقِيهَا ثَالِثًا، إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ الْعَمَلُ، ثُمَّ عُدْ فَابْدَأْ بِمَا فُقِدَ فِيهِ شَرْطٌ غَيْرُ الْأَوَّلَيْنِ اللَّذَيْنِ بَدَأْتَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا فِي عَمَلَيْكَ، وَهُوَ الضَّبْطُ، ثُمَّ ضُمَّهُ إِلَى وَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ الْبَاقِيَةِ، ثُمَّ إِلَى اثْنَيْنِ، وَهَكَذَا فَافْعَلْ فِي فَقْدِ الْعَاضِدِ، ثُمَّ عُدْ فَخُذِ الشَّاذَّ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ مَضْمُومًا مَعَ الْمُعَلَّلِ، ثُمَّ عُدْ فَخُذِ الْمُعَلَّلَ مُنْفَرِدًا‏.‏

وَإِلَى هُنَا انْتَهَى الْعَمَلُ، وَهُوَ مَعَ كَوْنِهِ بِحَسَبِ الْفَرْضِ لَا الْوَاقِعِ لَيْسَ بِآخِرِهِ، بَلْ لَوْ نَظَرْنَا إِلَى أَنَّ فَقْدَ الِاتِّصَالِ يَشْمَلُ أَيْضًا الْمُعَلَّقَ وَالْمُنْقَطِعَ الْخَفِيَّ كَالتَّدْلِيسِ، وَفَقْدَ الْعَدَالَةِ يَشْمَلُ الضَّعِيفَ بِكَذِبِ رَاوِيهِ أَوْ تُهْمَتِهِ بِذَلِكَ أَوْ فِسْقِهِ أَوْ بِدْعَتِهِ أَوْ جَهَالَةِ عَيْنِهِ أَوْ جَهَالَةِ حَالِهِ، وَفَقْدَ الضَّبْطِ يَشْمَلُ كَثْرَةَ الْغَلَطِ وَالْغَفْلَةَ وَالْوَهْمَ وَسُوءَ الْحِفْظِ وَالِاخْتِلَاطَ وَالْمُخَالَفَةَ- لَزَادَتِ الْأَقْسَامُ كَثِيرًا، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ الصَّلَاحِ بِقَوْلِهِ‏:‏ وَمَا كَانَ مِنَ الصِّفَاتِ لَهُ شُرُوطٌ، فَاعْمَلْ فِي شُرُوطِهِ نَحْوَ ذَلِكَ، فَيَتَضَاعَفْ بِذَلِكَ الْأَقْسَامُ‏.‏

وَلَكِنْ قَدْ صَرَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ- مِنْهُمْ شَيْخُنَا- بِأَنَّ ذَلِكَ مَعَ كَثْرَةِ التَّعَبِ فِيهِ قَلِيلُ الْفَائِدَةِ، وَلَا يُقَالُ‏:‏ إِنَّ فَائِدَتَهُ كَوْنُ مَا كَثُرَ فَقْدُ شُرُوطِ الْقَبُولِ فِيهِ أَضْعَفُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ، فَقَدْ يَكُونُ الْفَاقِدُ لِلصِّدْقِ وَحْدَهُ أَضْعَفَ مِنْ فَاقِدِ جَمِيعِ مَا عَدَاهُ مِمَّا ذُكِرَ؛ لِأَنَّ فَقْدَ الْعَدَالَةِ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ فِي الْكَذِبِ‏.‏

وَقَوْلُ ابْنِ الصَّلَاحِ‏:‏ “ ثُمَّ مَا عُدِمَ فِيهِ جَمِيعُ صِفَاتِ الْقَبُولِ هُوَ الْقِسْمُ الْأَرْذَلُ “- قَدْ لَا يُعَارِضُهُ، كَمَا أَنَّهُ لَا يُقَالُ‏:‏ فَائِدَتُهُ تَخْصِيصُ كُلِّ قَسْمٍ مِنْهَا بِلَقَبٍ؛ إِذْ لَمْ يُلَقَّبْ مِنْهَا إِلَّا الْمُرْسَلُ، وَالْمُنْقَطِعُ، وَالْمُعْضَلُ، وَالْمُعَلَّلُ، وَالشَّاذُّ، وَكَذَا لُقِّبَ مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ فِي الْأَقْسَامِ الْمَقْطُوعُ، وَالْمُدْرَجُ، وَالْمَقْلُوبُ، وَالْمُضْطَرِبُ، وَالْمَوْضُوعُ، وَالْمَطْرُوحُ، وَالْمُنْكَرُ، وَهُوَ بِمَعْنَى الشَّاذِّ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهَا‏.‏

وَحِينَئِذٍ فَالِاشْتِغَالُ بِغَيْرِهِ مِنْ مُهِمَّاتِ الْفَنِّ الَّذِي لَا يَتَّسِعُ الْعُمُرُ الطَّوِيلُ لِاسْتِقْصَائِهِ- آكَدُ، وَقَدْ خَاضَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِمَّنْ لَمْ يَعْلَمْ هَذَا الشَّأْنَ فِي ذَلِكَ، فَتَعِبُوا وَأَتْعَبُوا‏.‏

وَلَوْ قِيلَ لَأَطْوَلِهِمْ وَأَعْرَضِهِمْ‏:‏ أَوْجِدْنَا مِثَالًا لِمَا لَمْ يُلَقَّبْ مِنْهَا بِلَقَبٍ خَاصٍّ لَبَقِيَ مُتَحَيِّرًا، وَوَرَاءَ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ فِي بَعْضِ الْأَقْسَامِ نِزَاعًا، وَذَلِكَ أَنَّ اجْتِمَاعَ الشُّذُوذِ مَعَ الضَّعِيفِ أَوِ الْمَجْهُولِ- كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ- غَيْرُ مُمْكِنٍ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ الشُّذُوذَ تَفَرُّدُ الثِّقَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَجَوَّزَهُ شَيْخُنَا بِأَنْ يَكُونَ فِي السَّنَدِ ثِقَةٌ خُولِفَ وَضَعِيفٌ‏.‏

قَالَ‏:‏ وَفَائِدَةُ ذَلِكَ قُوَّةُ الضَّعْفِ؛ لِكَثْرَةِ الْأَسْبَابِ، لَكِنْ قَدْ يُقَالُ‏:‏ إِنَّهُ إِذَا كَانَ فِي السَّنَدِ ضَعِيفٌ، يُحَالُ مَا فِي الْخَبَرِ مِنْ تَغْيِيرٍ عَلَيْهِ، نَعَمْ إِنْ عُرِفَ مِنْ خَارِجٍ أَنَّ الْمُخَالَفَةَ مِنَ الثِّقَةِ، ‏[‏أَوْ كَانَ الضَّعِيفُ بَعْدَ الرَّاوِي الَّذِي شَذَّ جَاءَ مَا قَالَهُ شَيْخُنَا‏]‏‏.‏

وَبِالْجُمْلَةِ فَلَمَّا كَانَ التَّقْسِيمُ الْمَطْلُوبُ صَعْبَ الْمَرَامِ فِي بَادِئِ الرَّأْيِ، لَخَّصَهُ شَيْخُنَا بِقَوْلِهِ‏:‏ فَقْدُ الْأَوْصَافِ رَاجِعٌ إِلَى مَا فِي رَاوِيهِ طَعْنٌ، أَوْ فِي سَنَدِهِ سَقْطٌ، فَالسَّقْطُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي أَوَّلِهِ، أَوْ فِي آخِرِهِ، أَوْ فِي أَثْنَائِهِ‏.‏

وَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ الْمُرْسَلُ وَالْمُعَلَّقُ وَالْمُدَلَّسُ وَالْمُنْقَطِعُ وَالْمُعْضَلُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ، إِذَا انْضَمَّ إِلَيْهِ وَصْفٌ مِنْ أَوْصَافِ الطَّعْنِ، وَهِيَ تَكْذِيبُ الرَّاوِي، أَوْ تُهْمَتُهُ بِذَلِكَ، أَوْ فُحْشُ غَلَطِهِ، أَوْ مُخَالَفَتُهُ، أَوْ بِدْعَتُهُ، أَوْ جَهَالَةُ عَيْنِهِ، أَوْ جَهَالَةُ حَالِهِ- فَبِاعْتِبَارِ ذَلِكَ يَخْرُجُ مِنْهُ أَقْسَامٌ كَثِيرَةٌ، مَعَ الِاحْتِرَازِ مِنَ التَّدَاخُلِ الْمُفْضِي إِلَى التَّكْرَارِ، فَإِذَا فَقَدَ ثَلَاثَةَ أَوْصَافٍ مِنْ مَجْمُوعِ مَا ذُكِرَ، حَصَلَتْ مِنْهُ أَقْسَامٌ أُخْرَى، مَعَ الِاحْتِرَازِ مِمَّا ذُكِرَ، ثُمَّ إِذَا فَقَدَ أَرْبَعَةَ أَوْصَافٍ فَكَذَلِكَ، ثُمَّ كَذَلِكَ إِلَى آخِرِهِ‏.‏

فَكُلُّ مَا عُدِمَتْ فِيهِ صِفَةٌ وَاحِدَةٌ- يَعْنِي غَيْرَ الْكَذِبِ- يَكُونُ أَخَفَّ مِمَّا عُدِمَتْ فِيهِ صِفَتَانِ، إِنْ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الصِّفَةُ- يَعْنِي الْمُضَعِّفَةَ- قَدْ جَبَرَتْهَا صِفَةٌ مُقَوِّيَةٌ، يَعْنِي كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ‏:‏ “ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْلُفَهَا جَابِرٌ عَلَى حَسَبِ مَا تَقَرَّرَ فِي الْحَسَنِ “‏.‏

وَهَكَذَا إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ الْحَدِيثُ إِلَى دَرَجَةِ الْمَوْضُوعِ الْمُخْتَلَقِ؛ بِأَنْ يَنْعَدِمَ فِيهِ شُرُوطُ الْقَبُولِ، وَيُوجَدَ فِيهِ مَا يُشْتَرَطُ انْعِدَامُهُ مِنْ جَمِيعِ أَسْبَابِ الطَّعْنِ وَالسِّقْطِ‏.‏

قَالَ‏:‏ لَكِنْ قَالَ شَيْخُنَا- يَعْنِي الشَّارِحَ-‏:‏ إِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِالْوَضْعِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ، لَكِنَّ مَدَارَ الْحُكْمِ فِي الْأَنْوَاعِ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ هُنَا‏.‏ انْتَهَى‏.‏

وَلَا مَزِيدَ عَلَيْهِ فِي الْحُسْنِ، وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ تَزِيدُ أَقْسَامُهُ جُمْلَةً ‏(‏وَعَدَّهُ‏)‏ أَيْ‏:‏ قِسْمَ الضَّعِيفِ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ ‏(‏الْبُسْتِيُّ‏)‏ الْمَاضِيَ فِي الصَّحِيحِ، الزَّائِدَ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ ‏(‏فِيمَا أَوْعَى‏)‏ أَيْ‏:‏ حَفِظَ وَجَمَعَ، كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ عَنْهُ، لَكِنْ غَيْرَ مُعَيِّنٍ لِتَصْنِيفِ الْوَاقِعِ فِيهِ‏.‏

وَزَعَمَ الزَّرْكَشِيُّ أَنَّ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ فِي الضُّعَفَاءِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَالَّذِي فِيهِ إِنَّمَا هُوَ تَقْسِيمُ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِتَضْعِيفِ الرُّوَاةِ، لَا تَقْسِيمُ الْحَدِيثِ الضَّعِيفِ، وَهُوَ الْتِبَاسٌ بَعِيدٌ، خُصُوصًا وَعِدَّةُ مَا ذَكَرَهُ عِشْرُونَ قِسْمًا ‏(‏لِتِسْعَةٍ‏)‏ بِتَقْدِيمِ الْمُثَنَّاةِ ‏(‏وَأَرْبَعِينَ نَوْعًا‏)‏ خَمْسِينَ قِسْمًا إِلَّا وَاحِدًا، كَمَا هُوَ عِبَارَةُ ابْنِ الصَّلَاحِ، وَلَكِنَّ الْأُولَى أَخْصَرُ، مَعَ مُوَافَقَتِهَا لِاصْطِلَاحِ الْحِسَابِ فِي تَقْدِيمِ الْعَطْفِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ‏.‏

وَالثَّانِيَةُ أَسْلَمُ مِنْ عُرُوضِ التَّصْحِيفِ، وَمِنْ دُخُولِ اللَّامِ؛ لِكَوْنِ “ عَدَّهُ “ مُتَعَدِّيًا مَعَ نُطْقِ الْقُرْآنِ بِهِمَا فِي قَوْلِهِ‏:‏ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً ‏[‏ص‏:‏ 23‏]‏، وَأَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا ‏[‏الْعَنْكَبُوتِ‏:‏ 14‏]‏‏.‏

عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُ النَّاظِمُ- كَمَا قَالَ شَيْخُنَا- أَنْ يَقُولَ‏:‏ “ مُسْتَوْعِبًا خَمْسِينَ إِلَّا نَوْعًا “، وَلِلْخَوْفِ مِنَ التَّصْحِيفِ أَيْضًا ثَبَتَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ‏:‏ “ إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا “، إِذَا عُلِمَ هَذَا، فَسَيَأْتِي قُبَيْلَ “ مَنْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ وَمَنْ تُرَدُّ “ مَسَائِلُ تَدْخُلُ فِي هَذَا الْقِسْمِ لَا بَأْسَ بِاسْتِحْضَارِهَا‏.‏

‏[‏تَتِمَّةٌ‏]‏‏:‏ أَفْرَدَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَنْ هَذَا نَوْعًا آخَرَ سَمَّاهُ الْمُضَعَّفَ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُجْتَمَعْ عَلَى ضَعْفِهِ بَلْ فِيهِ إِمَّا فِي الْمَتْنِ أَوْ فِي السَّنَدِ تَضْعِيفٌ لِبَعْضِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَتَقْوِيَةٌ لِآخَرِينَ، وَهُوَ أَعْلَى مَرْتَبَةً مِنَ الضَّعِيفِ الْمَجْمَعِ عَلَيْهِ‏.‏ انْتَهَى‏.‏

وَمَحَلٌ هَذَا إِذَا كَانَ التَّضْعِيفُ هُوَ الرَّاجِحَ، أَوْ لَمْ يَتَرَجَّحْ شَيْءٌ، وَإِلَّا فَيُوجَدُ فِي كُتُبِ مُلْتَزِمِي الصِّحَّةِ حَتَّى الْبُخَارِيِّ، مِمَّا يَكُونُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ أَشْيَاءُ‏.‏

الْمَرْفُوعُ

95- وَسَمِّ مَرْفُوعًا مُضْافًا لِلنَّبِي *** وَاشْتَرَطَ الْخَطِيبُ رَفْعَ الصَّاحِبِ

96- وَمَنْ يُقَابِلْهُ بِذِي الْإِرْسَالِ *** فَقَدْ عَنَى بِذَاكَ ذَا اتِّصَالِ

وَقُدِّمَ عَلَى مَا بَعْدَهُ لِتَمَحُّضِهِ فِي شَرِيفِ الْإِضَافَةِ ‏(‏وَسَمِّ‏)‏ أَيُّهَا الطَّالِبُ ‏(‏مَرْفُوعًا مُضَافًا لِلنَّبِي‏)‏ أَيْ‏:‏ وَسَمِّ كُلَّ مَا أُضِيفَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلًا لَهُ أَوْ فِعْلًا أَوْ تَقْرِيرًا، مَرْفُوعًا؛ سَوَاءٌ أَضَافَهُ إِلَيْهِ صَحَابِيٌّ أَوْ تَابِعِيٌّ، أَوْ مَنْ بَعْدَهُمَا، حَتَّى يَدْخُلَ فِيهِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِينَ وَلَوْ تَأَخَّرُوا‏:‏ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏.‏

فَعَلَى هَذَا يَدْخُلُ فِيهِ الْمُتَّصِلُ، وَالْمُرْسَلُ، وَالْمُنْقَطِعُ، وَالْمُعْضَلُ، وَالْمُعَلَّقُ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الِاتِّصَالِ، وَيَخْرُجُ الْمَوْقُوفُ وَالْمَقْطُوعُ لِاشْتِرَاطِ الْإِضَافَةِ الْمَخْصُوصَةِ‏.‏

‏(‏وَاشْتَرَطَ‏)‏ الْحَافِظُ الْحُجَّةُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ الْبَغْدَادِيُّ ‏(‏الْخَطِيبُ‏)‏ الْآتِي فِي الْوَفَيَاتِ فِيهِ ‏(‏رَفْعَ الصَّاحِبِ‏)‏ فَقَطْ، وَلَفْظُهُ‏:‏ الْمَرْفُوعُ مَا أَخْبَرَ فِيهِ الصَّحَابِيُّ عَنْ قَوْلِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ فِعْلِهِ، فَعَلَى هَذَا مَا يُضِيفُهُ التَّابِعِيُّ فَمَنْ بَعْدَهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُسَمَّى مَرْفُوعًا‏.‏

وَلَكِنَّ الْمَشْهُورَ الْأَوَّلُ، مَعَ أَنَّ شَيْخَنَا قَدْ تَوَقَّفَ فِي كَوْنِهِ قَيْدًا؛ فَإِنَّهُ قَالَ‏:‏ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ الْخَطِيبِ لِلصَّحَابِيِّ عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ، أَوِ الْغَالِبِ؛ لِكَوْنِ غَالِبِ مَا يُضَافُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ مِنْ إِضَافَةِ الصَّحَابَةِ، لَا أَنَّهُ ذَكَرَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّقْيِيدِ، فَلَا يَخْرُجُ حِينَئِذٍ عَنِ الْأَوَّلِ، وَيَتَأَيَّدُ بِكَوْنِ الرَّفْعِ إِنَّمَا يُنْظَرُ فِيهِ إِلَى الْمَتْنِ دُونَ الْإِسْنَادِ‏.‏ انْتَهَى‏.‏ وَفِيهِ نَظَرٌ‏.‏

‏(‏وَمَنْ يُقَابِلْهُ‏)‏ أَيِ‏:‏ الْمَرْفُوعَ ‏(‏بِذِي الْإِرْسَالِ‏)‏ أَيْ‏:‏ بِالْمُرْسَلِ؛ كَأَنْ يَقُولَ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ‏:‏ رَفَعَهُ فُلَانٌ، وَأَرْسَلَهُ فُلَانٌ، مِثَالُهُ حَدِيثُ عِيسَى بْنِ يُونُسَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ “ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ، وَيُثِيبُ عَلَيْهَا “‏.‏

قَالَ الْآجُرِّيُّ‏:‏ سَأَلْتُ أَبَا دَاوُدَ عَنْهُ، فَقَالَ‏:‏ تَفَرَّدَ بِرَفْعِهِ عِيسَى، وَهُوَ عِنْدَ النَّاسِ مُرْسَلٌ‏.‏ وَنَحْوُهُ قَوْلُ التِّرْمِذِيِّ‏:‏ لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عِيسَى‏.‏

‏(‏فَقَدْ عَنَى‏)‏ الْقَائِلُ ‏(‏بِذَاكَ‏)‏ اللَّفْظِ ‏(‏ذَا اتِّصَالِ‏)‏ أَيِ‏:‏ الْمُتَّصِلَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحِينَئِذٍ فَهُوَ رَفْعٌ مَخْصُوصٌ؛ إِذِ الْمَرْفُوعُ أَعَمُّ كَمَا قَرَّرْنَاهُ، عَلَى أَنَّ ابْنَ النَّفِيسِ مَشَى عَلَى ظَاهِرِ هَذَا، فَقَيَّدَ الْمَرْفُوعَ بِالِاتِّصَالِ‏.‏

الْمُسْنَدُ

97- وَالْمُسْنَدُ الْمَرْفُوعُ أَوْ مَا قَدْ وُصِلْ *** لَوْ مَعَ وَقْفٍ وَهْوَ فِي هَذَا يَقِلْ

98- وَالثَّالِثُ الرَّفْعُ مَعَ الْوَصْلِ مَعَا *** شَرْطٌ بِهِ الْحَاكِمُ فِيهِ قَطَعَا

وَقُدِّمَ عَلَى مَا بَعْدَهُ نَظَرًا لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَالَأَخِيرِ فِيهِ، ‏(‏وَالْمُسْنَدُ‏)‏ كَمَا قَالَهُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ‏:‏ هُوَ ‏(‏الْمَرْفُوعُ‏)‏ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً، وَقَدْ يَكُونُ مُتَّصِلًا؛ كَمَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ مُنْقَطِعًا؛ كَمَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُنْقَطِعًا- لِأَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ- فَهُوَ مُسْنَدٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أُسْنِدَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏.‏

قُلْتُ‏:‏ وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ‏:‏ سُئِلَ أَبِي‏:‏ أَسَمِعَ زُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ‏؟‏ فَقَالَ‏:‏ مَا أُرَاهُ سَمِعَ مِنْهُ، وَلَكِنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْمُسْنَدِ، وَعَلَى هَذَا فَهُمَا- أَعْنِي الْمُسْنَدَ وَالْمَرْفُوعَ- عَلَى الْقَوْلِ الْمُعْتَمَدِ فِيهِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ- شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَالِانْقِطَاعُ يَدْخُلُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا شُمُولُهُ الْمُرْسَلَ وَالْمُعْضَلَ، قَالَ شَيْخُنَا‏:‏ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْمُسْتَفِيضِ مِنْ عَمَلِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ فِي مُقَابَلَتِهِمْ بَيْنَ الْمُرْسَلِ وَالْمُسْنَدِ، فَيَقُولُونَ‏:‏ أَسْنَدَهُ فُلَانٌ، وَأَرْسَلَهُ فُلَانٌ‏.‏ انْتَهَى‏.‏

وَيَأْتِي فِيهِ مَا سَلَفَ قَرِيبًا فِي مُقَابَلَةِ الْمَرْفُوعِ بِالْمُرْسَلِ، وَمِمَّنِ اقْتَضَى صَنِيعُهُ أَنَّ الْمَسْنَدَ الْمَرْفُوعُ، الدَّارَقُطْنِيُّ، فَقَدْ نَقَلَ الْحَاكِمُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ حَيَّةَ الثَّقَفِيِّ‏:‏ إِنَّهُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، يُحَدِّثُ بِأَحَادِيثَ يُسْنِدُهَا، وَغَيْرُهُ يُوقِفُهَا‏.‏

‏(‏أَوْ‏)‏ الْمُسْنَدُ ‏(‏مَا قَدْ وُصِلَ‏)‏ إِسْنَادُهُ وَ‏(‏لَوْ‏)‏ كَانَ الْوَصْلُ ‏(‏مَعَ وَقْفٍ‏)‏ عَلَى الصَّحَابِيِّ أَوْ غَيْرِهِ، وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي، وَعَلَيْهِ فَالْمُسْنَدُ وَالْمُتَّصِلُ سَوَاءٌ؛ لِإِطْلَاقِهِمَا عَلَى كُلٍّ مِنَ الْمَرْفُوعِ وَالْمَوْقُوفِ، وَلَكِنَّ الْأَكْثَرَ اسْتِعْمَالًا الْمُسْنَدُ فِي الْأَوَّلِ‏.‏

كَمَا قَالَهُ الْخَطِيبُ، فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ عَزَا فِي الْكِفَايَةِ، لِأَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ الَّذِي اتَّصَلَ إِسْنَادُهُ بَيْنَ رَاوِيهِ وَبَيْنَ مَنْ أَسْنَدَ عَنْهُ، قَالَ‏:‏ إِلَّا أَنَّ أَكْثَرَ اسْتِعْمَالِهِمْ لَهُ فِيمَا أُسْنِدَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً‏.‏

‏(‏وَهُوَ‏)‏ أَيِ‏:‏ الْمُسْنَدُ ‏(‏فِي هَذَا‏)‏ أَيْ‏:‏ فِيمَا وُقِفَ عَلَى الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ ‏(‏يَقِلْ‏)‏ أَيْ‏:‏ قَلِيلٌ، وَحِينَئِذٍ فَافْتِرَاقُهُمَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْمُتَّصِلِ فِي الْمَرْفُوعِ وَالْمَوْقُوفِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، بِخِلَافِ الْمُسْنَدِ فَاسْتِعْمَالُهُ فِي الْمَرْفُوعِ أَكْثَرِيٌّ دُونَ الْمَوْقُوفِ‏.‏

ثُمَّ إِنَّ فِي كَلَامِ الْخَطِيبِ الَّذِي قَدْ أَقَرَّهُ ابْنُ الصَّلَاحِ عَلَيْهِ إِشْعَارًا بِاسْتِعْمَالِ الْمَسْنَدِ قَلِيلًا فِي الْمَقْطُوعِ، بَلْ وَفِي قَوْلِ مَنْ بَعْدَ التَّابِعِيِّ، وَصَرِيحُ كَلَامِهِمْ يَأْبَاهُ‏.‏

‏(‏وَ‏)‏ الْقَوْلُ ‏(‏الثَّالِثُ‏)‏ إِنَّهُ ‏(‏الرَّفْعُ‏)‏ أَيِ‏:‏ الْمَرْفُوعُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏(‏مَعَ الْوَصْلِ‏)‏ أَيْ‏:‏ مَعَ اتِّصَالِ إِسْنَادِهِ ‏(‏مَعَا‏)‏ كَمَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ عَنْ قَوْمٍ وَهُوَ ‏(‏شَرْطٌ بِهِ‏)‏ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ ‏(‏الْحَاكِمُ‏)‏ صَاحِبُ ‏(‏الْمُسْتَدْرَكِ‏)‏ فِي كِتَابِهِ ‏(‏عُلُومِ الْحَدِيثِ‏)‏، ‏(‏فِيهِ‏)‏ أَيْ‏:‏ فِي الْمُسْنَدِ ‏(‏قَطَعَا‏)‏ حَيْثُ لَمْ يَحْكِ فِيهِ- كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ- غَيْرَهُ، وَكَأَنَّ النَّاظِمَ إِنَّمَا أَخَّرَهُ تَبَعًا لِأَصْلِهِ لَا لِضَعْفِهِ؛ فَإِنَّهُ هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا، وَأَشْعَرَ بِهِ تَمْرِيضُ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ لِلْأَوَّلِ، وَتَقْدِيمُهُ لِهَذَا عَلَيْهِ‏.‏

وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ فِي “ الْمُعْتَصَرِ “ أَيْضًا‏:‏ إِنَّهُ أَصَحُّ؛ إِذْ لَا تَمْيِيزَ إِلَّا بِهِ، يَعْنِي لِكَوْنِ قَائِلِهِ لَحَظَ فِيهِ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُتَّصِلِ وَالْمَرْفُوعِ، مِنْ حَيْثِيَّةِ أَنَّ الْمَرْفُوعَ يُنْظَرُ فِيهِ إِلَى حَالِ الْمَتْنِ، مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الْإِسْنَادِ اتَّصَلَ أَمْ لَا، وَالْمُتَّصِلَ يُنْظَرُ فِيهِ إِلَى حَالِ الْإِسْنَادِ، مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الْمَتْنِ مَرْفُوعًا كَانَ أَوْ مَوْقُوفًا، وَالْمُسْنَدَ يُنْظَرُ فِيهِ إِلَى الْحَالَيْنِ مَعًا، فَيَجْمَعُ شَرْطَيِ الِاتِّصَالِ وَالرَّفْعِ، فَيَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كُلٍّ مِنَ الرَّفْعِ وَالِاتِّصَالِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ، فَكُلُّ مُسْنَدٍ مَرْفُوعٌ، وَكُلُّ مُسْنَدٍ مُتَّصِلٌ، وَلَا عَكْسَ فِيهِمَا‏.‏

هَذَا مَعَ أَنَّ شَيْخَنَا قَالَ مَا نَصُّهُ‏:‏ وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي بِالِاسْتِقْرَاءِ مِنْ كَلَامِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَتَصَرُّفِهِمْ أَنَّ الْمُسْنَدَ هُوَ مَا أَضَافَهُ مَنْ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ بِسَنَدٍ ظَاهِرُهُ الِاتِّصَالُ‏.‏

قَالَ‏:‏ فَـ “ مَنْ سَمِعَ “ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ صَحَابِيًّا، أَوْ تَحَمَّلَ فِي كُفْرِهِ وَأَسْلَمَ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَكِنَّهُ يُخْرِجُ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ؛ كَالْمُرْسَلِ، وَالْمُعْضَلِ‏.‏

وَ “ بِسَنَدٍ “ يُخْرِجُ مَا كَانَ بِلَا سَنَدٍ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ‏:‏ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّ هَذَا مِنْ قَبِيلِ الْمُعَلَّقِ‏.‏

وَ “ ظُهُورُ الِاتِّصَالِ “ يُخْرِجُ الْمُنْقَطِعَ، لَكِنْ يَدْخُلُ فِيهِ الِانْقِطَاعُ الْخَفِيُّ كَعَنْعَنَةِ الْمُدَلِّسِ، وَالنَّوْعُ الْمُسَمَّى بِالْمُرْسَلِ الْخَفِيِّ، وَنَحْوُهُمَا مِمَّا ظَاهِرُهُ الِاتِّصَالُ، وَقَدْ يُفَتَّشُ فَيُوجَدُ مُنْقَطِعًا‏.‏

وَاسْتَشْهَدَ لِلْأَخِيرِ بِأَنَّ لَفْظَ الْحَاكِمِ‏:‏ الْمُسْنَدُ مَا رَوَاهُ الْمُحَدِّثُ عَنْ شَيْخٍ يَظْهَرُ سَمَاعُهُ مِنْهُ لَيْسَ يَحْتَمِلُهُ، وَكَذَلِكَ سَمَاعُ شَيْخِهِ مِنْ شَيْخِهِ مُتَّصِلًا إِلَى صَحَابِيٍّ مَشْهُورٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِيهِ نَظَرٌ‏.‏

فَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ‏:‏ “ لَيْسَ يَحْتَمِلُهُ “ يُخْرِجُ عَنْعَنَةَ الْمُدَلِّسِ، خُصُوصًا وَقَدْ صَرَّحَ الْحَاكِمُ بَعْدُ بِاشْتِرَاطِ عَدَمِ التَّدْلِيسِ فِي رُوَاتِهِ‏.‏

وَلَكِنَّ الْوَاقِعَ أَنَّ أَصْحَابَ الْمَسَانِيدِ مِنَ الْأَئِمَّةِ لَا يَتَحَامَوْنَ فِيهَا تَخْرِيجَ مُعَنْعَنَاتِ الْمُدَلِّسِينَ، وَلَا أَحَادِيثَ مَنْ لَيْسَ لَهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا مُجَرَّدَ الرُّؤْيَةِ، مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، بَلْ عِبَارَةُ الْخَطِيبِ‏:‏ “ وَاتِّصَالُ الْإِسْنَادِ فِيهِ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ رُوَاتِهِ سَمِعَهُ مِمَّنْ فَوْقَهُ، حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى آخِرِهِ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ فِيهِ السَّمَاعَ، بَلِ اقْتَصَرَ عَلَى الْعَنْعَنَةِ“‏.‏

الْمُتَّصِلُ وَالْمَوْصُولُ

99- وَإِنْ تَصِلْ بِسَنَدٍ مَنْقُولَا *** فَسَمِّهِ مُتَّصِلًا مَوْصُولَا

100- سَوَاءٌ الْمَوْقُوفُ وَالْمَرْفُوعُ *** وَلَمْ يَرَوْا أَنْ يَدْخُلَ الْمَقْطُوعُ

وَقُدِّمَ عَلَى مَا بَعْدَهُ نَظَرًا لِوُقُوعِهِ عَلَى الْمَرْفُوعِ ‏(‏وَإِنْ تَصِلْ‏)‏ أَيُّهَا الطَّالِبُ ‏(‏بِسَنَدٍ‏)‏ أَيْ‏:‏ وَإِنْ تَرْوِ بِإِسْنَادٍ مُتَّصِلٍ خَبَرًا ‏(‏مَنْقُولًا فَسَمِّهِ‏)‏ أَيِ‏:‏ السَّنَدَ ‏(‏مُتَّصِلًا وَمَوْصُولًا‏)‏، وَكَذَا “ مُؤْتَصِلًا “ بِالْفَكِّ وَالْهَمْزَةِ، كَمَا هِيَ عِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ فِي مَوَاضِعَ مِنْ ‏(‏الْأُمِّ‏)‏، وَعَزَاهَا إِلَيْهِ الْبَيْهَقِيُّ‏.‏

وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي تَصْرِيفِهِ‏:‏ إِنَّهَا لُغَتُهُ، فَهِيَ مُتَرَادِفَةٌ، ‏(‏سَوَاءٌ‏)‏ فِي ذَلِكَ؛ حَيْثُ اتَّصَلَ إِسْنَادُهُ ‏(‏الْمَوْقُوفُ‏)‏ عَلَى الصَّحَابِيِّ، ‏(‏وَالْمَرْفُوعُ‏)‏ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَخَرَجَ بِقَيْدِ الِاتِّصَالِ الْمُرْسَلُ وَالْمُنْقَطِعُ وَالْمُعْضَلُ وَالْمُعَلَّقُ، وَكَذَا مُعَنْعَنُ الْمُدَلِّسِ قَبْلَ تَبَيُّنِ سَمَاعِهِ‏.‏

‏(‏وَلَمْ‏؟‏ يَرْوا أَنْ يَدْخُلَ الْمَقْطُوعُ‏)‏ الَّذِي هُوَ- كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا- قَوْلُ التَّابِعِيِّ، وَلَوِ اتَّصَلَ إِسْنَادُهُ؛ لِلتَّنَافُرِ بَيْنَ لَفْظِ الْقَطْعِ وَالْوَصْلِ، هَذَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ؛ كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُ ابْنِ الصَّلَاحِ‏.‏

وَمُطْلَقُهُ- أَيِ‏:‏ الْمُتَّصِلِ- يَقَعُ عَلَى الْمَرْفُوعِ وَالْمَوْقُوفِ، أَمَّا مَعَ التَّقْيِيدِ فَهُوَ جَائِزٌ، بَلْ وَاقِعٌ أَيْضًا فِي كَلَامِهِمْ، يَقُولُونَ‏:‏ هَذَا مُتَّصِلٌ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، أَوْ إِلَى الزُّهْرِيِّ، أَوْ إِلَى مَالِكٍ، وَنَحْوُ ذَلِكَ‏.‏

الْمَوْقُوفُ

101- وَسَمِّ بِالْمَوْقُوفِ مَا قَصَرْتَهُ *** بِصَاحِبٍ وَصَلْتَ أَوْ قَطَعْتَهُ

102- وَبَعْضُ أَهْلِ الْفِقْهِ سَمَّاهُ الْأَثَرْ *** وَإِنْ تَقِفْ بِغَيْرِهِ، قَيِّدْ تَبَرْ

وَقُدِّمَ عَلَى مَا بَعْدَهُ لِاخْتِصَاصِهِ بِالصَّحَابِيِّ، ‏[‏وَفِيهِ لِلضِّيَاءِ أَبِي حَفْصٍ عُمَرَ بْنِ بَدْرِ بْنِ سَعِيدٍ الْكُرْدِيِّ الْمَوْصِلِيِّ الْحَنَفِيِّ الْفَقِيهِ الْوُقُوفُ عَلَى الْمَوْقُوفِ‏]‏ ‏(‏وَسَمِّ‏)‏ أَيُّهَا الطَّالِبُ ‏(‏بِالْمَوْقُوفِ مَا قَصَرْتَهُ بِصَاحِبٍ‏)‏ أَيْ‏:‏ عَلَى صَحَابِيٍّ قَوْلًا لَهُ أَوْ فِعْلًا أَوْ نَحْوَهُمَا، مِمَّا لَا قَرِينَةَ فِيهِ لِلرَّفْعِ؛ سَوَاءٌ ‏(‏وَصَلْتَ‏)‏ السَّنَدَ بِذَلِكَ ‏(‏أَوْ قَطَعْتَهُ‏)‏‏.‏

وَشَذَّ الْحَاكِمُ؛ فَاشْتَرَطَ عَدَمَ الِانْقِطَاعِ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ يُسَمَّى خَبَرًا أَمْ لَا‏؟‏

فَمُقْتَضَى الْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ بِعَدَمِ مُرَادَفَةِ الْخَبَرِ لِلْحَدِيثِ، وَأَنَّ الْخَبَرَ مَا جَاءَ عَنْ غَيْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَوَّلُ‏.‏

‏(‏وَبَعْضُ أَهْلِ الْفِقْهِ‏)‏ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ‏(‏سَمَّاهُ الْأَثَرَ‏)‏، بَلْ حَكَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْفَوْرَانِيُّ مِنَ الْخُرَاسَانِيِّينَ عَنِ الْفُقَهَاءِ، وَأَطْلَقَ فَإِنَّهُ قَالَ‏:‏ الْفُقَهَاءُ يَقُولُونَ‏:‏ الْخَبَرُ مَا كَانَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْأَثَرُ مَا يُرْوَى عَنِ الصَّحَابَةِ‏.‏ انْتَهَى‏.‏

وَظَاهِرُ تَسْمِيَةِ الْبَيْهَقِيِّ كِتَابَهُ الْمُشْتَمِلَ عَلَيْهِمَا بِـ “ مَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالْآثَارِ “ مَعَهُمْ، وَكَأَنَّ سَلَفَهُمْ فِيهِ إِمَامُهُمْ، فَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ فِي كَلَامِهِمْ كَثِيرًا، وَاسْتَحْسَنَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، قَالَ‏:‏ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِي الْمَرَاتِبِ يَقْتَضِي التَّفَاوُتَ فِي الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهَا، فَيُقَالُ لِمَا نُسِبَ لِصَاحِبِ الشَّرْعِ‏:‏ الْخَبَرُ، وَلِلصَّحَابَةِ‏:‏ الْأَثَرُ، وَلِلْعُلَمَاءِ‏:‏ الْقَوْلُ، وَالْمَذْهَبُ‏.‏

وَلَكِنِ الْمُحَدِّثُونَ- كَمَا عَزَاهُ إِلَيْهِمُ النَّوَوِيُّ فِي كِتَابَيْهِ- يُطْلِقُونَ الْأَثَرَ عَلَى الْمَرْفُوعِ وَالْمَوْقُوفِ‏.‏

وَظَاهِرُ تَسْمِيَةِ الطَّحَاوِيِّ لِكِتَابِهِ الْمُشْتَمِلِ عَلَيْهِمَا “ شَرْحُ مَعَانِي الْآثَارِ “ مَعَهُمْ، وَكَذَا أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ فِي “ تَهْذِيبِ الْآثَارِ “ لَهُ، إِلَّا أَنَّ كِتَابَهُ اقْتَصَرَ فِيهِ عَلَى الْمَرْفُوعِ، وَمَا يُورِدُهُ فِيهِ مِنَ الْمَوْقُوفِ فَبِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ، بَلْ فِي الْجَامِعِ لِلْخَطِيبِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ حَبِيبٍ الْفَارْيَابِيِّ عَنْ صَالِحِ بْنِ بَيَانٍ عَنْ أَسَدِ بْنِ سَعِيدٍ الْكُوفِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا‏:‏ “ مَا جَاءَ عَنِ اللَّهِ فَهُوَ فَرِيضَةٌ، وَمَا جَاءَ عَنِّي فَهُوَ حَتْمٌ وَفَرِيضَةٌ، وَمَا جَاءَ عَنْ أَصْحَابِي فَهُوَ سُنَّةٌ، وَمَا جَاءَ عَنْ أَتْبَاعِهِمْ فَهُوَ أَثَرٌ، وَمَا جَاءَ عَمَّنْ دُونَهُمْ فَهُوَ بِدْعَةٌ “‏.‏

قَالَ شَيْخُنَا‏:‏ ‏(‏وَيُنْظَرُ فِي سَنَدِهِ، فَإِنَّنِي أَظُنُّ أَنَّهُ بَاطِلٌ‏)‏‏.‏ قُلْتُ‏:‏ بَلْ لَا يَخْفَى بُطْلَانُهُ عَلَى آحَادِ أَتْبَاعِهِ؛ فَالْفَارْيَابِيُّ رُمِيَ بِالْوَضْعِ، وَفِي تَرْجَمَتِهِ أَوْرَدَهُ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ، وَاللَّذَانِ فَوْقَهُ قَالَ الْمُسْتَغْفِرِيُّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا‏:‏ يَرْوِي الْعَجَائِبَ، وَيَنْفَرِدُ بِالْمَنَاكِيرِ‏.‏

وَأَصْلُ الْأَثَرِ‏:‏ مَا ظَهَرَ مِنْ مَشْيِ الشَّخْصِ عَلَى الْأَرْضِ‏.‏

قَالَ زُهَيْرٌ‏:‏

وَالْمَرْءُ مَا عَاشَ مَمْدُودٌ لَهُ أَثَرُ لَا يَنْتَهِي الْعُمُرُ حَتَّى يَنْتَهِيَ الْأَثَرُ

ثُمَّ إِنَّهُ لَا اخْتِصَاصَ فِي الْمَوْقُوفِ بِالصَّحَابِيِّ، بَلْ وَلَوْ أُضِيفَ الْمَرْوِيُّ لِلتَّابِعِيِّ، وَكَذَا لِمَنْ بَعْدَهُ- كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ ابْنِ الصَّلَاحِ- سَاغَ تَسْمِيَتُهُ مَوْقُوفًا‏.‏

‏(‏وَ‏)‏ لَكِنْ ‏(‏إِنْ تَقِفْ بِغَيْرِهِ‏)‏ أَيْ‏:‏ عَلَى غَيْرِ الصَّحَابِيِّ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِتَابِعٍ، وَالْأُولَى أَشْمَلُ فَـ ‏(‏قَيِّدْ‏)‏ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ‏:‏ مَوْقُوفٌ عَلَى فُلَانٍ ‏(‏تَبَرْ‏)‏ أَيْ‏:‏ يَزْكُ عَمَلُكَ وَلَا يُنْكَرْ‏.‏

الْمَقْطُوعُ

103- وَسَمِّ بِالْمَقْطُوعِ قَوْلَ التَّابِعِي *** وَفِعْلَهُ وَقَدْ رَأَى لِلشَّافِعِي

104- تَعْبِيرَهُ بِهِ عَنِ الْمُنْقَطِعِ *** قُلْتُ وَعَكْسُهُ اصْطِلَاحُ الْبَرْدَعِي

وَيَجُوزُ فِي جَمْعِهِ الْمَقَاطِيعُ وَالْمَقَاطِعُ بِإِثْبَاتِ التَّحْتَانِيَّةِ وَحَذْفِهَا اخْتِيَارًا؛ كَـ‏(‏الْمَسَانِيدِ‏)‏ وَ‏(‏الْمَرَاسِيلِ‏)‏، لَكِنَّ الْمَنْقُولَ فِي مِثْلِ ‏(‏الْمَقَاطِيعِ‏)‏ عَنِ الْبَصْرِيِّينَ سِوَى الْجَرْمِيِّ الْإِثْبَاتُ جَزْمًا، وَالْجَرْمِيُّ مَعَ الْكُوفِيِّينَ فِي جَوَازِ الْحَذْفِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ مَالِكٍ‏.‏

‏(‏وَسَمِّ بِالْمَقْطُوعِ قَوْلَ التَّابِعِيِّ وَفِعْلَهُ‏)‏؛ حَيْثُ لَا قَرِينَةَ لِلرَّفْعِ فِيهِ، كَالَّذِي قَبْلَهُ؛ لِيَخْرُجَ مَا هُوَ بِحَسَبِ اللَّفْظِ قَوْلُ تَابِعِيٍّ أَوْ صَحَابِيٍّ، وَيُحْكَمَ لَهُ بِالرَّفْعِ لِلْقَرِينَةِ؛ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا فِي سَادِسِ الْفُرُوعِ‏.‏

وَبِذَلِكَ يَنْدَفِعُ مَنْعُ إِدْخَالِهِمَا فِي أَنْوَاعِ الْحَدِيثِ بِكَوْنِ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَذَاهِبِهِمْ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِيهِ، بَلْ قَالَ الْخَطِيبُ فِي جَامِعِهِ‏:‏ إِنَّهُ يَلْزَمُ كَتْبُهَا وَالنَّظَرُ فِيهَا؛ لِيَتَمَيَّزَ مِنْ أَقْوَالِهِمْ، وَلَا يَشِذَّ عَنْ مَذَاهِبِهِمْ‏.‏

قُلْتُ‏:‏ لَا سِيَّمَا وَهِيَ أَحَدُ مَا يَعْتَضِدُ بِهِ الْمُرْسَلُ، وَرُبَّمَا يَتَّضِحُ بِهَا الْمَعْنَى الْمُحْتَمَلُ مِنَ الْمَرْفُوعِ‏.‏

وَقَالَ الْخَطِيبُ فِي الْمَوْقُوفَاتِ عَلَى الصَّحَابَةِ‏:‏ جَعَلَهَا كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ بِمَنْزِلَةِ الْمَرْفُوعَاتِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي لُزُومِ الْعَمَلِ بِهَا، وَتَقْدِيمِهَا عَلَى الْقِيَاسِ وَإِلْحَاقِهَا بِالسُّنَنِ‏.‏ انْتَهَى‏.‏

وَمَسْأَلَةُ الِاحْتِجَاجِ بِالصَّحَابِيِّ مَبْسُوطَةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ، ثُمَّ إِنَّ شَيْخَنَا أَدْرَجَ فِي الْمَقْطُوعِ مَا جَاءَ عَمَّنْ دُونَ التَّابِعِيِّ، وَعِبَارَتُهُ‏:‏ وَمَنْ دُونَ التَّابِعِيِّ مِنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ فِيهِ، أَيْ‏:‏ فِي الِاسْمِ بِالْمَقْطُوعِ مِثْلُهُ، أَيْ‏:‏ مِثْلُ مَا يَنْتَهِي إِلَى التَّابِعِيِّ‏.‏

‏(‏وَقَدْ رَأَى‏)‏ أَيِ‏:‏ ابْنُ الصَّلَاحِ ‏(‏لِلشَّافِعِيِّ‏)‏ رَحِمَهُ اللَّهُ ‏(‏تَعْبِيرَهُ بِهِ‏)‏ أَيْ‏:‏ بِالْمَقْطُوعِ ‏(‏عَنِ الْمُنْقَطِعِ‏)‏ أَيِ‏:‏ الَّذِي لَمْ يَتَّصِلْ إِسْنَادُهُ، وَلَكِنَّهُ وَإِنْ كَانَ سَابِقًا حُدُوثَ الِاصْطِلَاحِ، فَقَدْ أَفَادَ ابْنُ الصَّلَاحِ أَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ أَيْضًا فِي كَلَامِ الطَّبَرَانِيِّ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ تَأَخَّرَ، يَعْنِي كَالدَّارَقُطْنِيِّ، وَالْحُمَيْدِيِّ، وَابْنِ الْحِصَارِ؛ فَالتَّعْبِيرُ بِالْمَقْطُوعِ فِي مَقَامِ الْمُنْقَطِعِ مَوْجُودٌ فِي كَلَامِهِمْ أَيْضًا‏.‏

‏(‏قُلْتُ‏:‏ وَعَكْسُهُ‏)‏ أَيْ‏:‏ عَكْسُ مَا لِلشَّافِعِيِّ وَمَنْ مَعَهُ ‏(‏اصْطِلَاحُ‏)‏ الْحَافِظِ الثِّقَةِ أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ هَارُونَ بْنِ رَوْحٍ الْبَرْدِيجِيِّ ‏(‏الْبَرْدَعِيِّ‏)‏- بِإِهْمَالِ دَالِهِ، نِسْبَةً لِبَرْدَعَةَ، بَلْدَةٍ مِنْ أَقْصَى بِلَادِ أَذَرْبِيجَانَ، بَيْنَهَا وَبَيْنَ بَرْدِيجَةَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ فَرْسَخًا- الْمُتَوَفَّى فِي رَمَضَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِمِائَةٍ ‏(‏301هـ‏)‏‏.‏

حَيْثُ قَالَ فِي جُزْءٍ لَهُ لَطِيفٍ تَكَلَّمَ فِيهِ عَلَى الْمُنْقَطِعِ وَالْمُرْسَلِ‏:‏ الْمُنْقَطِعُ هُوَ قَوْلُ التَّابِعِيِّ‏.‏ وَهَذَا- وَإِنْ حَكَاهُ ابْنُ الصَّلَاحِ- فَإِنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ قَائِلَهُ، بَلْ قَالَ- كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمُنْقَطِعِ-، وَحَكَى الْخَطِيبُ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ أَنَّ الْمُنْقَطِعَ‏:‏ مَا رُوِيَ عَنِ التَّابِعِيِّ أَوْ مَنْ دُونَهُ، مَوْقُوفًا عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِ أَوْ فِعْلِهِ‏.‏ وَحِينَئِذٍ فَهُوَ أَعَمُّ‏.‏

وَلَكِنْ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ‏:‏ إِنَّهُ غَرِيبٌ بَعِيدٌ، وَيُشْبِهُهُ أَنْ يَكُونَ سَلَفُ شَيْخِنَا فِيمَا أَسْلَفْتُهُ عَنْهُ قَرِيبًا‏.‏

فُرُوعٌ‏:‏ ‏[‏في قول الصحابي‏:‏ من السنة كذا ونحوه‏]‏

105- قَوْلُ الصَّحَابِيِّ مِنَ السُّنَّةِ أَوْ *** نَحْوُ أُمِرْنَا حُكْمُهُ الرَّفْعُ وَلَوْ

106- بَعْدَ النَّبِيِّ قَالَهُ بِأَعْصُرِ *** عَلَى الصَّحِيحِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ

107- وَقَوْلُهُ “ كُنَّا نَرَى “ إِنْ كَانَ مَعْ *** عَصْرِ النَّبِيِّ مِنْ قَبِيلِ مَا رَفَعْ

108- وَقِيلَ لَا، أَوْ لَا فَلَا، كَذَاكَ لَهْ *** وَلِلْخَطِيبِ قُلْتُ لَكِنْ جَعَلَهْ

109- مَرْفُوعًا الْحَاكِمُ وَالرَّازِيُّ *** ابْنُ الْخَطِيبِ وَهُوَ الْقَوِيُّ

فُرُوعٌ سَبْعَةٌ حَسُنَ إِيرَادُهَا بَعْدَ الِانْتِهَاءِ مِنْ كُلٍّ مِنَ الْمَرْفُوعِ وَالْمَوْقُوفِ‏:‏

أَحَدُهَا- وَقُدِّمَ عَلَى غَيْرِهِ، مِمَّا يَصْدُرُ عَنِ الصَّحَابِيِّ لِقُرْبِهِ إِلَى الصَّرَاحَةِ- ‏(‏قَوْلُ الصَّحَابِيِّ‏)‏ رضِيَ اللَّهُ عنهُ ‏(‏مِنَ السُّنَّةِ‏)‏ كَذَا؛ كَقَوْلِ عَلِيٍّ رضِيَ اللَّهُ عنهُ‏:‏ وَمِنَ السُّنَّةِ وَضْعُ الْكَفِّ عَلَى الْكَفِّ فِي الصَّلَاةِ تَحْتَ السُّرَّةِ‏.‏ ‏(‏أَوْ نَحْوُ أُمِرْنَا‏)‏ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، كَأُمِرَ فُلَانٌ‏.‏

وَكُنَّا نُؤْمَرُ، وَأُمِرَ بِلَا إِضَافَةٍ، وَنُهِينَا؛ كَقَوْلِ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا‏:‏ “ أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ إِلَى الْعِيدَيْنِ الْعَوَاتِقَ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ “ وَ “ أُمِرَ الْحُيَّضُ أَنْ يَعْتَزِلْنَ مُصَلَّى الْمُسْلِمِينَ “، وَ “ نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا “ وَأُبِيحَ أَوْ رُخِّصَ لَنَا، أَوْ حُرِّمَ أَوْ أُوجِبَ عَلَيْنَا، كُلُّ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ مَوْقُوفًا لَفْظًا ‏(‏حُكْمُهُ الرَّفْعُ وَلَوْ بَعْدَ‏)‏ وَفَاةِ ‏(‏النَّبِيِّ‏)‏ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏(‏قَالَهُ‏)‏ الصَّحَابِيُّ ‏(‏بِأَعْصُرٍ‏)‏ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ بَعْدَهُ بِيَسِيرٍ، أَوْ فِي زَمَنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكِنَّهُ فِي الزَّمَنِ النَّبَوِيِّ فِي “ أُمِرْنَا “ أَبْعَدُ عَنِ الِاحْتِمَالِ فِيمَا يَظْهَرُ‏.‏

وَيُسَاعِدُهُ تَصْرِيحُ بَعْضِ أَئِمَّةِ الْأُصُولِ بِقُوَّةِ الِاحْتِمَالِ “ فِي السُّنَّةِ “؛ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهَا فِي الطَّرِيقَةِ، وَسَوَاءٌ قَالَهُ فِي مَحَلِّ الِاحْتِجَاجِ أَمْ لَا، تَأَمَّرَ عَلَيْهِ غَيْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْ لَا، كَبِيرًا كَانَ أَوْ صَغِيرًا‏.‏

وَإِنْ لَمْ أَرَ تَصْرِيحَهُمْ بِهِ فِي الصَّغِيرِ، فَهُوَ مُحْتَمِلٌ، وَيُمْكِنُ إِخْرَاجُهُ مِنْ تَقْيِيدِ الْحَاكِمِ الصَّحَابِيَّ بِالْمَعْرُوفِ الصُّحْبَةِ، وَكَذَا مِنَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْمُجْتَهِدِ وَغَيْرِهِ، كَمَا سَيَأْتِي، وَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ هُوَ ‏(‏عَلَى الصَّحِيحِ‏)‏ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ‏.‏

وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ فِي “ بَابِ عَدَدِ كَفَنِ الْمَيِّتِ “ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ ابْنَ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ‏:‏ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَقُولَانِ السُّنَّةَ إِلَّا سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ الْبَيْهَقِيَّ قَدْ جَزَمَ بِنَفْيِ الْخِلَافِ عَنْ أَهْلِ النَّقْلِ فِيهِمَا، وَأَنَّهُ مُسْنَدٌ، يَعْنِي مَرْفُوعٌ‏.‏

وَكَذَا شَيْخُهُ الْحَاكِمُ؛ حَيْثُ قَالَ فِي الْجَنَائِزِ مِنْ ‏(‏مُسْتَدْرَكِهِ‏)‏ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ‏:‏ مِنَ السُّنَّةِ كَذَا، حَدِيثٌ مُسْنَدٌ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ‏:‏ إِذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ أُمِرْنَا بِكَذَا، أَوْ نُهِينَا عَنْ كَذَا، أَوْ كُنَّا نَفْعَلُ كَذَا، أَوْ كُنَّا نَتَحَدَّثُ- فَإِنِّي لَا أَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ النَّقْلِ خِلَافًا فِيهِ أَنَّهُ مُسْنَدٌ‏.‏

وَمِمَّنْ حَكَى الِاتِّفَاقَ أَيْضًا لَكِنْ فِي السُّنَّةِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَالْحَقُّ ثُبُوتُ الْخِلَافِ فِيهِمَا، نَعَمْ قَيَّدَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ مَحَلَّ الْخِلَافِ بِمَا إِذَا كَانَ الْمَأْمُورُ بِهِ يَحْتَمِلُ التَّرَدُّدَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، أَمَّا إِذَا كَانَ مِمَّا لَا مَجَالَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ؛ كَحَدِيثِ‏:‏ “ أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ “، فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الرَّفْعِ قَطْعًا‏.‏

وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى خِلَافِ مَا حَكَيْنَاهُ فِيهِمَا مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ صَاحِبُ الدَّلَائِلِ، وَمِنَ الْحَنَفِيَّةِ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ، وَفِي السُّنَّةِ فَقَطِ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدَ قَوْلَيْهِ مِنَ الْجَدِيدِ، كَمَا جَزَمَ الرَّافِعِيُّ بِحِكَايَتِهِمَا عَنْهُ، وَرَجَّحَهُ جَمَاعَةٌ، بَلْ حَكَاهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانُ عَنِ الْمُحَقِّقِينَ‏.‏

وَمِنَ الْحَنَفِيَّةِ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ، وَابْنُ حَزْمٍ مِنَ الظَّاهِرِيَّةِ، وَبَالَغَ فِي إِنْكَارِ الرَّفْعِ؛ مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا‏:‏ “ أَلَيْسَ حَسْبَكُمْ سُنَّةُ نَبِيِّكُمْ؛ إِنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنِ الْحَجِّ طَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى يَحُجَ عَامًا قَابِلًا فَيُهْدِيَ؛ أَوْ يَصُومَ إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا “‏.‏

قَالَ‏:‏ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ إِذْ صُدَّ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عُمَرَ، بَلْ حَلَّ حَيْثُ كَانَ بِالْحُدَيْبِيَةَ‏.‏ وَكَذَا مِنْ أَدِلَّتِهِمْ لِمَنْعِ الرَّفْعِ اسْتِلْزَامُهُ ثُبُوتَ سُنَّةِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَمْرٍ مُحْتَمِلٍ؛ إِذْ يَحْتَمِلُ إِرَادَةَ سُنَّةِ غَيْرِهِ مِنَ الْخُلَفَاءِ، فَقَدْ سَمَّاهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُنَّةً فِي قَوْلِهِ‏:‏ “ عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ “ أَوْ سُنَّةَ الْبَلَدِ، وَهِيَ الطَّرِيقَةُ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ‏.‏

وَنَحْوُهُ تَعْلِيلُ الْكَرْخِيِّ لِـ “ أُمِرْنَا “ بِأَنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ كَوْنِهِ مُضَافًا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ إِلَى أَمْرِ الْقُرْآنِ، أَوِ الْأُمَّةِ، أَوْ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ، أَوِ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِنْبَاطِ، وَسُوِّغَ إِضَافَتُهُ إِلَى صَاحِبِ الشَّرْعِ- يَعْنِي لِكَوْنِهِ صَاحِبَ الْأَمْرِ حَقِيقَةً- بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقِيَاسَ مَأْمُورٌ بِاتِّبَاعِهِ مِنَ الشَّارِعِ‏.‏

قَالَ‏:‏ وَهَذِهِ احْتِمَالَاتٌ تَمْنَعُ كَوْنَهُ مَرْفُوعًا، وَفِي “ أُمِرْنَا “ فَقَطْ- كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ- فَرِيقٌ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ‏.‏

وَخَصَّ ابْنُ الْأَثِيرِ- كَمَا فِي مُقَدِّمَةِ جَامِعِ الْأُصُولِ لَهُ- نَفْيَ الْخِلَافِ فِيهَا بِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضِيَ اللَّهُ عنهُ خَاصَّةً؛ إِذْ لَمْ يَتَأَمَّرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ غَيْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، فَقَدْ تَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ فِي زَمَنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَوَجَبَ عَلَيْهِمُ امْتِثَالُ أَمْرِهِ، فَطَرَقَهُ الِاحْتِمَالُ النَّاشِئُ عَنْهُ الِاخْتِلَافُ‏.‏

وَنَحْوُهُ قَوْلُ غَيْرِهِ فِي “ أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ “ أَنَّهُ نَظَرَ، فَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا تَأَمَّرَ عَلَيْهِ فِي الْأَذَانِ غَيْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَمَحَّضَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْآمِرَ‏.‏

وَيَتَأَيَّدُ بِالرِّوَايَةِ الْمُصَرِّحَةِ بِذَلِكَ، وَكَذَا قَالَ آخَرُ‏:‏ يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ الِاخْتِلَافُ فِيهِمَا، بِمَا إِذَا كَانَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الِاحْتِجَاجِ، أَمَّا فِي مَحَلِّ الِاحْتِجَاجِ فَإِنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يُقَلِّدُ مِثْلَهُ، فَلَا يُرِيدُ بِالسُّنَّةِ وَبِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ إِلَّا مَنْ لَهُ ذَلِكَ حَقِيقَةً، لَكِنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الصَّحِيحُ فِيهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ‏.‏

‏(‏وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ‏)‏ مِنَ الْعُلَمَاءِ؛ إِذْ هُوَ الْمُتَبَادِرُ إِلَى الذِّهْنِ مِنَ الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّ سُنَّةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْلٌ، وَسُنَّةَ غَيْرِهِ تَبَعٌ لِسُنَّتِهِ، وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ لَا يَنْصَرِفُ بِظَاهِرِهِ إِلَّا لِمَنْ هُوَ إِلَيْهِ، وَهُوَ الشَّارِعُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَمْرُ غَيْرِهِ تَبَعٌ، فَحَمْلُ كَلَامِهِمْ عَلَى الْأَصْلِ أَوْلَى، خُصُوصًا وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَقْصُودَ الصَّحَابَةِ بَيَانُ الشَّرْعِ‏.‏

وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي مُقَدِّمَةِ جَامِعِ الْأُصُولِ فِي “ أُبِيحَ “ وَمَا بَعْدَهَا يَقْوَى فِي جَانِبِهِ أَلَّا يَكُونَ مُضَافًا إِلَّا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ، قَالَ‏:‏ وَلَا يُقَالُ‏:‏ أَوْجَبَ الْإِمَامُ إِلَّا عَلَى تَأْوِيلٍ‏.‏

وَاسْتِدْلَالُ ابْنِ حَزْمٍ الْمَاضِي لِلْمَنْعِ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ- مَمْنُوعٌ بِأَنَّهُ لَا انْحِصَارَ لِمُسْتَنَدِهِ فِي الْفِعْلِ، حَتَّى يُمْنَعَ إِرَادَةُ ابْنِ عُمَرَ بِالسُّنَّةِ الرَّفْعَ فِيمَنْ صُدَّ عَنِ الْحَجِّ مِمَّنْ هُوَ بِمَكَّةَ بِقِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ الَّتِي صُدَّ فِيهَا عَنْ دُخُولِهَا، بَلِ الدَّائِرَةُ أَوْسَعُ مِنَ الْقَوْلِ أَوِ الْفِعْلِ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَيَتَأَيَّدُ بِإِضَافَتِهِ السُّنَّةَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏.‏

وَكَذَا مَا أَبْدَاهُ الْكَرْخِيُّ مِنَ الِاحْتِمَالَاتِ فِي الْمَنْعِ أَيْضًا بَعِيدٌ- كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا- “ فَإِنَّ أَمْرَ الْكِتَابِ ظَاهِرٌ لِلْكُلِّ، فَلَا يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ الْوَاحِدُ دُونَ غَيْرِهِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ التَّنَزُّلِ فَهُوَ مَرْفُوعٌ؛ لِأَنَّ الصَّحَابِيَّ وَغَيْرَهُ إِنَّمَا تَلَقَّوْهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمْرُ الْأُمَّةِ لَا يُمْكِنُ الْحَمْلُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الصَّحَابِيَّ مِنَ الْأُمَّةِ، وَهُوَ لَا يَأْمُرُ نَفْسَهُ‏.‏

وَأَمْرُ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ إِنْ أَرَادَ مِنَ الصَّحَابَةِ مُطْلَقًا فَبَعِيدٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ مِنْهُمْ، وَإِنْ أَرَادَ مِنَ الْخُلَفَاءِ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصَّحَابِيَّ فِي مَقَامِ تَعْرِيفِ الشَّرْعِ بِهَذَا الْكَلَامِ وَالْفَتْوَى، فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى مَنْ صَدَرَ مِنْهُ الشَّرْعُ، وَبِالْجُمْلَةِ فَهُمْ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُمْ مُجْتَهِدُونَ لَا يَحْتَجُّونَ بِأَمْرِ مُجْتَهِدٍ آخَرَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَائِلُ لَيْسَ مِنْ مُجْتَهِدِي الصَّحَابَةِ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ يُرِيدُ بِالْآمِرِ أَحَدَ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْهُمْ‏.‏

وَحَمْلُهُ عَلَى الْقِيَاسِ وَالِاسْتِنْبَاطِ بَعِيدٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ‏:‏ “ أُمِرْنَا بِكَذَا “ يُفْهَمُ مِنْهُ حَقِيقَةُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، لَا خُصُوصُ الْأَمْرِ بِاتِّبَاعِ الْقِيَاسِ، وَمَا قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي الصِّدِّيقِ فَهُوَ- كَمَا قَالَ شَيْخُنَا وَغَيْرُهُ- مَقْبُولٌ، وَإِنْ تَأَمَّرَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فِي غَزْوَةِ “ ذَاتِ السَّلَاسِلِ “ عَلَى جَيْشٍ فِيهِ الشَّيْخَانِ، أَرْسَلَ بِهِمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَدَدٍ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِ أَبَا عُبَيْدَةَ الْجَرَّاحَ، فَلَمَّا قَدِمَ بِهِمْ عَلَى عَمْرٍو صَارَ الْأَمِيرَ، بَلْ كَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَمِيرَ سَرِيَّةِ “ الْخَبَطِ “ عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فِيهِمْ عُمَرُ، وَأَظُنُّ أَبَا بَكْرٍ أَيْضًا‏.‏

وَكَذَا تَأَمَّرَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ عَلَى جَيْشٍ هُمَا فِيهِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَخَلْقٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَتُوُفِّيَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ خُرُوجِهِ، فَأَنْفَذَهُ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ أَنِ اسْتُخْلِفَ؛ امْتِثَالًا لِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏.‏

وَقِيلَ‏:‏ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ سَأَلَ أُسَامَةَ أَنْ يَأْذَنَ لِعُمَرَ فِي الْإِقَامَةِ، فَأَذِنَ لَهُ، وَفِي شَرْحِهَا طُولٌ‏.‏

وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ كُلًّا مِنْ أَبِي عُبَيْدَةَ وَعَمْرٍو وَأُسَامَةَ تَأَمَّرَ عَلَيْهِمَا، وَصَارَ ذَلِكَ أَحَدَ الْأَدِلَّةِ فِي وِلَايَةِ الْمَفْضُولِ عَلَى الْفَاضِلِ أَوْ بِحَضْرَتِهِ، فَطُرُوقُ الِاحْتِمَالِ فِيهِ بَعِيدٌ جِدًّا‏.‏

وَمَا قِيلَ فِي بِلَالٍ لَيْسَ بِمُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، فَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ أَذَّنَ لِأَبِي بَكْرٍ مُدَّةَ خِلَافَتِهِ، وَلَمْ يُؤَذِّنْ لِعُمَرَ، ‏[‏نَعَمْ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ؛ أَنَّ بِلَالًا لَمَّا مَاتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الشَّامِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ‏:‏ تَكُونُ عِنْدِي، قَالَ‏:‏ إِنْ كُنْتَ أَعْتَقْتَنِي لِنَفْسِكَ فَاحْبِسْنِي، وَإِنْ كُنْتَ أَعْتَقْتَنِي لِلَّهِ فَذَرْنِي، فَذَهَبَ إِلَى الشَّامِ، فَكَانَ بِهَا حَتَّى مَاتَ رضِيَ اللَّهُ عنهُ، وَهُوَ أَصَحُّ مِمَّا قَبْلَهُ، وَهُوَ‏]‏ مُقْتَضَى قَوْلِ مَالِكٍ‏:‏ لَمْ يُؤَذِّنْ لِغَيْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِوَى مَرَّةٍ لِعُمَرَ حِينَ دَخَلَ الشَّامَ، فَبَكَى النَّاسُ بُكَاءً شَدِيدًا‏.‏

وَمِنْ أَدِلَّةِ الْأَكْثَرِينَ سِوَى مَا تَقَدَّمَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ الْحَجَّاجَ عَامَ نَزَلَ بِابْنِ الزُّبَيْرِ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ- يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- كَيْفَ نَصْنَعُ فِي الْمَوْقِفِ يَوْمَ عَرَفَةَ‏؟‏ فَقَالَ سَالِمٌ‏:‏ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ، فَهَجِّرْ بِالصَّلَاةِ يَوْمَ عَرَفَةَ‏.‏

فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ‏:‏ صَدَقَ، إِنَّهُمْ كَانُوا يَجْمَعُونَ بَيْنَ الظَّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي السُّنَّةِ‏.‏

قَالَ الزُّهْرِيُّ‏:‏ فَقُلْتُ لِسَالِمٍ‏:‏ أَفَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏؟‏ فَقَالَ‏:‏ وَهَلْ يَتَّبِعُونَ فِي ذَلِكَ إِلَّا سُنَّتَهُ‏.‏ انْتَهَى‏.‏

وَكُلُّ مَا سَلَفَ فِيمَا إِذَا لَمْ يُضِفِ السُّنَّةَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَوْ أَضَافَهَا- كَقَوْلِ عُمَرَ لِلصُّبَيِّ بْنِ مَعْبَدٍ‏:‏ هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ- فَمُقْتَضَى كَلَامِ الْجُمْهُورِ السَّابِقِ الرَّفْعُ، بَلْ أَوْلَى، وَابْنُ حَزْمٍ يُخَالِفُ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ، بَلْ نَقَلَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ‏:‏ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِذَلِكَ مَا هُوَ الْحَقُّ مِنْ سُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏.‏

وَجَزَمَ الْبُلْقِينِيُّ فِي مَحَاسِنِهِ بِأَنَّهَا عَلَى مَرَاتِبَ فِي احْتِمَالِ الْوَقْفِ قُرْبًا وَبُعْدًا، فَأَرْفَعُهَا مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ‏:‏ “ اللَّهُ أَكْبَرُ سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ “، وَدُونَهَا قَوْلُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ‏:‏ “ لَا تُلَبِّسُوا عَلَيْنَا سُنَّةَ نَبِيِّنَا، عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ كَذَا “، وَدُونَهَا قَوْلُ عُمَرَ لِعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ‏:‏ “ أَصَبْتَ السُّنَّةَ “؛ إِذِ الْأَوَّلُ أَبْعَدُ احْتِمَالًا، وَالثَّانِي أَقْرَبُ احْتِمَالًا، وَالثَّالِثُ لَا إِضَافَةَ فِيهِ‏.‏ انْتَهَى‏.‏

وَقَالَ غَيْرُهُ فِي قَوْلِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ‏:‏ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ‏:‏ الصَّوَابُ فِيهِ‏:‏ لَا تُلَبِّسُوا عَلَيْنَا دِينَنَا‏.‏ مَوْقُوفٌ؛ فَدَلَّ قَوْلُهُ هَذَا عَلَى أَنَّ الْأَوَّلَ مَرْفُوعٌ، أَمَّا إِذَا صَرَّحَ بِالْآمِرِ؛ كَقَوْلِهِ‏:‏ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَذَا، أَوْ سَمِعْتُهُ يَأْمُرُ بِكَذَا، فَهُوَ مَرْفُوعٌ بِلَا خِلَافٍ؛ لِانْتِفَاءِ الِاحْتِمَالِ السَّابِقِ‏.‏

لَكِنْ حَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ، وَتِلْمِيذُهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي “ الْعِدَّةِ “ عَنْ دَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ وَبَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ-‏:‏ أَنَّهُ لَا يَكُونُ حُجَّةً حَتَّى يُنْقَلَ لَفْظُهُ؛ لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي صِيَغِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ صِيغَةً ظَنَّهَا أَمْرًا أَوْ نَهْيًا، وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ‏.‏

وَقَالَ الشَّارِحُ‏:‏ إِنَّهُ ضَعِيفٌ مَرْدُودٌ، ثُمَّ وَجَّهَهُ بِمَا لَهُ وَجْهٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَوَجَّهَهُ غَيْرُهُ بِجَوَازِ أَنَّ نَحْوَ هَذَا مِنَ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى، وَهُمْ مِمَّنْ لَا يُجَوِّزُهَا‏.‏

وَأَمَّا شَيْخُنَا فَرَدَّهُ أَصْلَا فِيمَا نَقَلَهُ عَنْ غَيْرِهِ؛ حَيْثُ قَالَ‏:‏ وَأُجِيبُ بِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الصَّحَابِيِّ مَعَ عَدَالَتِهِ وَمَعْرِفَتِهِ بِأَوْضَاعِ اللُّغَةِ- أَنَّهُ لَا يُطْلِقُ ذَلِكَ إِلَّا فِيمَا تَحَقَّقَ أَنَّهُ أَمْرٌ أَوْ نَهْيٌ، مِنْ غَيْرِ شَكٍّ، نَفْيًا لِلتَّلْبِيسِ عَنْهُ، لِنَقْلِ مَا يُوجِبُ عَلَى سَامِعِهِ اعْتِقَادَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِيمَا لَيْسَ أَمْرًا وَلَا نَهْيًا‏.‏

تَتِمَّةٌ‏:‏ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ‏:‏ إِنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا أَشْبَهَ كَـ “ لَأُقَرِّبَنَّ لَكُمْ صَلَاةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ “- كُلُّهُ مَرْفُوعٌ‏.‏ وَهَلْ يَلْتَحِقُ التَّابِعِيُّ بِالصَّحَابِيِّ فِي “ مِنَ السُّنَّةِ “ أَوْ “ أُمِرْنَا “‏؟‏ سَيَأْتِي فِي خَامِسِ الْفُرُوعِ‏.‏

وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ “ أُمِرْتُ “ هُوَ كَقَوْلِهِ‏:‏ “ أَمَرَنِي اللَّهُ “؛ لِأَنَّهُ لَا آمِرَ لَهُ إِلَّا اللَّهُ، كَمَا سَيَأْتِي نَظِيرُهُ فِي “ يَرْفَعُهُ “، وَ “ يَرْوِيهِ “، وَأَمْثِلَتُهُ كَثِيرَةٌ‏.‏

فَمِنَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ‏:‏ “ أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى، يَقُولُونَ‏:‏ يَثْرِبُ “ وَمِنْ غَيْرِهِ‏:‏ “ أُمِرْنَا أَنْ نَضَعَ أَيْمَانَنَا عَلَى شَمَائِلِنَا فِي الصَّلَاةِ “‏.‏

وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنِ اشْتُهِرَ بِطَاعَةِ كَبِيرٍ إِذَا قَالَ ذَلِكَ، فُهِمَ مِنْهُ أَنَّ الْآمِرَ لَهُ هُوَ ذَلِكَ الْكَبِيرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ‏.‏

‏[‏الْفَرْعُ الثَّانِي‏:‏ في قول الصحابي‏:‏ كنا نرى كذا‏]‏

‏(‏وَ‏)‏ الْفَرْعُ الثَّانِي ‏(‏قَوْلُهُ‏)‏ أَيِ‏:‏ الصَّحَابِيِّ ‏(‏كُنَّا نَرَى‏)‏ كَذَا، أَوْ نَفْعَلُ كَذَا، أَوْ نَقُولُ كَذَا، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وَحُكْمُهُ أَنَّهُ ‏(‏إِنْ كَانَ‏)‏ ذَلِكَ ‏(‏مَعَ‏)‏ ذِكْرِ ‏(‏عَصْرِ النَّبِيِّ‏)‏ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ كَقَوْلِ جَابِرٍ‏:‏ كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ‏:‏ “ كُنَّا نَأْكُلُ لُحُومَ الْخَيْلِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ “، وَقَوْلِ غَيْرِهِ‏:‏ “ كُنَّا لَا نَرَى بَأْسًا بِكَذَا، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِينَا “، أَوْ‏:‏ “ كَانَ يُقَالُ كَذَا وَكَذَا عَلَى عَهْدِهِ “، أَوْ‏:‏ “ كَانُوا يَفْعَلُونَ كَذَا وَكَذَا فِي حَيَاتِهِ “ إِلَى غَيْرِهَا مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُفِيدَةِ لِلتَّكْرَارِ وَالِاسْتِمْرَارِ‏.‏

فَهُوَ وَإِنْ كَانَ مَوْقُوفًا لَفْظًا ‏(‏مِنْ قَبِيلِ مَا رَفَعَ‏)‏ الصَّحَابِيُّ بِصَرِيحِ الْإِضَافَةِ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَقَطَعَ بِهِ الْخَطِيبُ، وَمِنْ قَبْلِهِ الْحَاكِمُ؛ كَمَا سَيَأْتِي‏.‏

وَصَحَّحَهُ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ وَأَتْبَاعُهُ، وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّ غَرَضَ الرَّاوِي بَيَانُ الشَّرْعِ، وَذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى عِلْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَدَمِ إِنْكَارِهِ‏.‏

قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ‏:‏ وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ ذَلِكَ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اطَّلَعَ عَلَيْهِ وَقَرَّرَهُمْ، وَتَقْرِيرُهُ كَقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ‏.‏

قَالَ الْخَطِيبُ‏:‏ وَلَوْ عَلِمَ الصَّحَابِيُّ إِنْكَارًا مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ، لَبَيَّنَهُ‏.‏

قَالَ شَيْخُنَا‏:‏ ‏(‏وَيَدُلُّ لَهُ احْتِجَاجُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَلَى جَوَازِ الْعَزْلِ بِفِعْلِهِمْ لَهُ فِي زَمَنِ نُزُولِ الْوَحْيِ، فَقَالَ‏:‏ “ كُنَّا نَعْزِلُ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ، لَوْ كَانَ شَيْءٌ يَنْهَى عَنْهُ، نَهَى عَنْهُ الْقُرْآنُ “، وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّ الزَّمَانَ زَمَانُ تَشْرِيعٍ‏.‏

وَكَذَا يَدُلُّ لَهُ مَجِيءُ بَعْضِ مَا أَتَى بِبَعْضِ هَذِهِ الصِّيَغِ بِصَرِيحِ الرَّفْعِ ‏(‏وَقِيلَ‏:‏ لَا‏)‏ يَكُونُ مَرْفُوعًا، حَكَاهُ ابْنُ الصَّلَاحِ عَنِ الْبَرْقَانِيِّ بَلَاغًا أَنَّهُ سَأَلَ الْإِسْمَاعِيلِيَّ عَنْهُ، فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا، كَمَا خَالَفَ فِي نَحْوِ «أُمِرْنَا»، يَعْنِي بَلْ هُوَ مَوْقُوفٌ مُطْلَقًا قُيِّدَ أَمْ لَا، بِخِلَافِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، فَهُوَ مُفَصَّلٌ، فَإِنْ قُيِّدَ بِالْعَصْرِ النَّبَوِيِّ- كَمَا تَقَدَّمَ- فَمَرْفُوعٌ ‏(‏أَوْ لَا‏)‏ أَيْ‏:‏ وَإِنْ لَمْ يُقَيَّدْ ‏(‏فَلَا‏)‏ يَكُونُ مَرْفُوعًا ‏(‏كَذَاكَ لَهُ‏)‏ أَيْ لِابْنِ الصَّلَاحِ؛ حَيْثُ جَزَمَ بِهِ، وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ غَيْرَهُ‏.‏

‏(‏وَ‏)‏ كَذَا ‏(‏لِلْخَطِيبِ‏)‏ أَيْضًا فِي الْكِفَايَةِ، كَمَا زَادَهُ النَّاظِمُ مَعَ أَنَّهُ قَدْ فُهِمَ عَنْ مُشْتَرِطِي الْقَيْدِ فِي الرَّفْعِ- وَهُمُ الْجُمْهُورُ كَمَا تَقَدَّمَ- الْقَوْلُ بِهِ‏.‏

وَلِذَلِكَ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ‏:‏ وَقَالَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَأَصْحَابِ الْفِقْهِ وَالْأُصُولِ‏:‏ إِنْ لَمْ يُضِفْهُ، فَهُوَ مَوْقُوفٌ ‏(‏قُلْتُ‏:‏ لَكِنْ‏)‏ قَدْ ‏(‏جَعَلَهُ‏)‏ أَيْ‏:‏ هَذَا اللَّفْظَ الَّذِي لَمْ يُقَيَّدْ بِالْعَصْرِ النَّبَوِيِّ ‏(‏مَرْفُوعًا الْحَاكِمُ‏)‏ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ‏.‏

وَعِبَارَتُهُ فِي عُلُومِهِ‏:‏ وَمِنْهُ- أَيْ‏:‏ وَمِمَّا لَمْ يُصَرَّحْ فِيهِ بِذِكْرِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ الْمَعْرُوفِ بِالصُّحْبَةِ‏:‏ أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ كَذَا، وَنُهِينَا عَنْ كَذَا، وَكُنَّا نُؤْمَرُ بِكَذَا، وَكُنَّا نُنْهَى عَنْ كَذَا، وَكُنَّا نَفْعَلُ كَذَا، وَكُنَّا نَقُولُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِينَا كَذَا، وَكُنَّا لَا نَرَى بَأْسًا بِكَذَا، وَكَانَ يُقَالُ كَذَا وَكَذَا، وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ‏:‏ مِنَ السُّنَّةِ كَذَا، وَأَشْبَاهُ مَا ذَكَرْنَا؛ إِذَا قَالَهُ الصَّحَابِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالصُّحْبَةِ، فَهُوَ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ؛ أَيْ‏:‏ مَرْفُوعٌ‏.‏

وَكَذَا جَعَلَهُ مَرْفُوعًا الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ ‏(‏الرَّازِيُّ‏)‏- نِسْبَةً بِإِلْحَاقِ الزَّايِ لِلرَّيِّ، مَدِينَةٍ مَشْهُورَةٍ كَبِيرَةٍ مِنْ بِلَادِ الدَّيْلَمِ بَيْنَ قُومِسَ وَالْجِبَالِ- صَاحِبُ التَّفْسِيرِ وَالْمَحْصُولِ، وَمَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ، وَشَرْحِ الْوَجِيزِ لِلْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهَا، وَأَحَدُ الْأَئِمَّةِ وَهُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَأَبُو الْفَضَائِلِ مُحَمَّدُ ‏(‏ابْنُ الْخَطِيبِ‏)‏ بِالرَّيِّ، تِلْمِيذُ مُحْيِي السُّنَّةِ الْبَغَوِيِّ، الْإِمَامُ ضِيَاءُ الدِّينِ عُمَرُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْقُرَشِيُّ الْبَكْرِيُّ التَّيْمِيُّ الشَّافِعِيُّ، تُوُفِّيَ بِهَرَاةَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَسِتِّمِائَةٍ ‏(‏606هـ‏)‏ عَنْ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي «الْمَحْصُولِ»‏.‏

وَلَمْ يُفَرِّقَا بَيْنَ الْمُضَافِ وَغَيْرِهِ، وَحِينَئِذٍ فَعَنِ الْفَخْرِ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ، وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي «الْعُدَّةِ»‏:‏ إِنَّهُ الظَّاهِرُ‏.‏

قَالَ النَّاظِمُ تَبَعًا لِلنَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، ‏(‏وَهُوَ الْقَوِيُّ‏)‏ يَعْنِي مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، زَادَ النَّوَوِيُّ‏:‏ إِنَّهُ ظَاهِرُ اسْتِعْمَالِ كَثِيرٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ، وَأَصْحَابِنَا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، وَاعْتَمَدَهُ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا، وَأَكْثَرَ مِنْهُ الْبُخَارِيُّ‏.‏

قُلْتُ‏:‏ وَمِمَّا خَرَّجَهُ مِنْ أَمْثِلَةِ الْمَسْأَلَةِ حَدِيثُ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ جَابِرٍ‏:‏ «كُنَّا إِذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا، وَإِذَا هَبَطْنَا سَبَّحْنَا»‏.‏

وَيَتَأَيَّدُ الْقَوْلُ بِالرَّفْعِ بِإِيرَادِ النَّسَائِيِّ لَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ‏:‏ كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا صَعِدْنَا‏.‏‏.‏‏.‏ وَذَكَرَهُ، فَتَحَصَّلَ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ‏:‏ الرَّفْعُ مُطْلَقًا، الْوَقْفُ مُطْلَقًا، التَّفْصِيلُ‏.‏

وَفِيهَا رَابِعٌ أَيْضًا؛ وَهُوَ تَفْصِيلٌ آخَرُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْفِعْلُ مِمَّا لَا يَخْفَى غَالِبًا فَمَرْفُوعٌ، أَوْ يَخْفَى؛ كَقَوْلِ بَعْضِ الْأَنْصَارِ‏:‏ «كُنَّا نُجَامِعُ فَنَكْسَلُ وَلَا نَغْتَسِلُ» فَمَوْقُوفٌ، وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، وَكَذَا قَالَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ، وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ آخَرِينَ‏.‏

وَخَامِسٌ، وَهُوَ أَنَّهُ إِنْ أَوْرَدَهُ فِي مَعْرِضِ الِاحْتِجَاجِ فَمَرْفُوعٌ، وَإِلَّا فَمَوْقُوفٌ؛ حَكَاهُ الْقُرْطُبِيُّ‏.‏

وَسَادِسٌ، وَهُوَ أَنَّهُ إِنْ كَانَ قَائِلُهُ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فَمَوْقُوفٌ، وَإِلَّا فَمَرْفُوعٌ‏.‏

وَسَابِعٌ‏:‏ وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ كُنَّا نَرَى، وَكُنَّا نَفْعَلُ، بِأَنَّ الْأَوَّلَ مُشْتَقٌّ مِنَ الرَّأْيِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُهُ تَنْصِيصًا أَوِ اسْتِنْبَاطًا‏.‏

وَتَعْلِيلُ السَّيْفِ الْآمِدِيِّ وَأَتْبَاعِهِ كَوْنَ “ كُنَّا نَفْعَلُ “ وَنَحْوَهُ حُجَّةً بِأَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي قَوْلِ كُلِّ الْأُمَّةِ، وَلَا يَحْسُنُ مَعَهُ إِدْرَاجُهُمْ مَعَ الْقَائِلِينَ بِالْأَوَّلِ، كَمَا فَعَلَ الشَّارِحُ؛ لِاخْتِلَافِ الْمَدْرَكَيْنِ‏.‏

وَكُلُّ مَا أَوْرَدْنَاهُ مِنَ الْخِلَافِ؛ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فِي الْقِصَّةِ اطِّلَاعُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَمَّا إِذَا كَانَ- كَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ‏:‏ كُنَّا نَقُولُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيٌّ‏:‏ أَفْضَلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ، وَيَسْمَعُ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يُنْكِرُهُ- فَحُكْمُهُ الرَّفْعُ إِجْمَاعًا‏.‏

ثُمَّ إِنَّ النَّفْيَ كَالْإِثْبَاتِ- فِيمَا تَقَدَّمَ- كَمَا عُلِمَ مِنَ التَّمْثِيلِ، وَلِذَلِكَ مَثَّلَ ابْنُ الصَّبَّاغِ لِلْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِ عَائِشَةَ‏:‏ كَانَتِ الْيَدُ لَا تُقْطَعُ فِي الشَّيْءِ التَّافِهِ‏.‏

110- لَكِنْ حَدِيثُ “ كَانَ بَابُ الْمُصْطَفَى *** يُقْرَعُ بِالْأَظْفَارِ “ مِمَّا وُقِفَا

111- حُكْمًا لَدَى الْحَاكِمِ وَالْخَطِيبِ *** وَالرَّفْعُ عِنْدَ الشَّيْخِ ذُو تَصْوِيبِ

112- وَعَدُّ مَا فَسَّرَهُ الصَّحَابِي *** رَفْعًا فَمَحْمُولٌ عَلَى الْأَسْبَابِ

113- وَقَوْلُهُمْ “ يَرْفَعْهُ “ أَوْ “ يَبْلُغُ بِهْ “ *** “ رِوَايَةً “ “ يَنْمِيهِ “ رَفْعٌ فَانْتَبِهْ

114- وَإِنْ يَقُلْ “ عَنْ تَابِعٍ “ فَمُرْسَلُ *** قُلْتُ مِنَ السُّنَّةِ عَنْهُ نَقَلُوا

115- تَصْحِيحَ وَقْفِهِ وَذُو احْتِمَالِ *** نَحْوُ “ أُمِرْنَا مِنْهُ “ لِلْغَزَالِي

116- وَمَا أَتَى عَنْ صَاحِبٍ بِحَيْثُ لَا *** يُقَالُ رَأْيًا، حُكْمُهُ الرَّفْعُ عَلَى

117- مَا قَالَ فِي الْمَحْصُولِ نَحْوُ “ مَنْ أَتَى “ *** فَالْحَاكِمُ الرَّفْعَ لِهَذَا أَثْبَتَا

118- وَمَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَهْ *** مُحَمَّدٌ وَعَنْهُ أَهْلُ الْبَصْرَهْ

119- وَكَرَّرَ “ قَالَ “ بَعْدَ فَالْخَطِيبُ *** رَوَى بِهِ الرَّفْعَ وَذَا عَجِيبُ

“ لَكِنْ حَدِيثُ كَانَ بَابُ الْمُصْطَفَى “ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏(‏يُقْرَعُ‏)‏ مِنَ الصَّحَابَةِ ‏(‏بِالْأَظْفَارِ‏)‏ تَأَدُّبًا وَإِجْلَالًا، كَمَا عُرِفَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فِي حَقِّهِ‏.‏

وَإِنْ قَالَ السُّهَيْلِيُّ‏:‏ إِنَّهُ لِأَنَّ بَابَهُ الْكَرِيمَ لَمْ يَكُنْ لَهُ حِلَقٌ يُطْرَقُ بِهَا‏.‏ ‏(‏مِمَّا وُقِفَا حُكْمًا‏)‏ أَيْ‏:‏ حُكْمُهُ الْوَقْفُ ‏(‏لَدَى‏)‏ أَيْ‏:‏ عِنْدَ ‏(‏الْحَاكِمِ‏)‏، فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ أَنْ أَسْنَدَهُ، كَمَا سَيَأْتِي‏:‏ هَذَا حَدِيثٌ يَتَوَهَّمُهُ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الصَّنْعَةِ مُسْنَدًا؛ لِذِكْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ، وَلَيْسَ بِمُسْنَدٍ؛ فَإِنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى صَحَابِيٍّ، حَكَى عَنْ أَقْرَانِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ فِعْلًا، وَلَيْسَ يُسْنِدُهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ ‏(‏وَ‏)‏ كَذَا عِنْدَ ‏(‏الْخَطِيبِ‏)‏ أَيْضًا فِي جَامِعِهِ نَحْوُهُ‏.‏

وَإِنْ أَنْكَرَ الْبُلْقِينِيُّ تَبَعًا لِبَعْضِ مَشَائِخِهِ وُجُودَهُ فِيهِ، فَعِبَارَتُهُ فِي الْمَوْقُوفِ الْخَفِيِّ الَّذِي ذَكَرَ مِنْ أَمْثِلَتِهِ هَذَا الْحَدِيثَ- نَصُّهَا‏:‏ قَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ مَرْفُوعٌ لِذِكْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى صَحَابِيٍّ، حَكَى فِيهِ عَنْ غَيْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِعْلًا، وَذَلِكَ مُتَعَقَّبٌ عَلَيْهِمَا ‏(‏وَالرَّفْعُ‏)‏ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ‏(‏عِنْدَ الشَّيْخِ‏)‏ ابْنِ الصَّلَاحِ ‏(‏ذُو تَصْوِيبِ‏)‏‏.‏

قَالَ‏:‏ وَالْحَاكِمُ مُعْتَرِفٌ بِكَوْنِ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ الْمَرْفُوعِ؛ يَعْنِي لِأَنَّهُ جَنَحَ إِلَى الرَّفْعِ فِي غَيْرِ الْمُضَافِ، فَهُوَ هُنَا أَوْلَى؛ لِكَوْنِهِ كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ أَحْرَى بِاطِّلَاعِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ‏.‏

قَالَ‏:‏ وَقَدْ كُنَّا عَدَدْنَا هَذَا فِيمَا أَخَذْنَا عَلَيْهِ، ثُمَّ تَأَوَّلْنَاهُ لَهُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ‏:‏ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْنَدٍ لَفْظًا، بَلْ هُوَ مَوْقُوفٌ لَفْظًا؛ كَسَائِرِ مَا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا جَعَلْنَاهُ مَرْفُوعًا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى‏.‏ انْتَهَى‏.‏

وَهُوَ جَيِّدٌ، وَحَاصِلُهُ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا أَنَّ لَهُ جِهَتَيْنِ‏:‏ جِهَةَ الْفِعْلِ وَهُوَ صَادِرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فَيَكُونُ مَوْقُوفًا، وَجِهَةَ التَّقْرِيرِ وَهُوَ مُضَافٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَيْثُ إِنَّ فَائِدَةَ قَرْعِ بَابِهِ أَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ قُرِعَ، وَمِنْ لَازِمِ عِلْمِهِ بِكَوْنِهِ قُرِعَ مَعَ عَدَمِ إِنْكَارِ ذَلِكَ عَلَى فَاعِلِهِ- التَّقْرِيرُ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ، فَيَكُونُ مَرْفُوعًا، لَكِنْ يَخْدِشُ فِيهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ قِسْمِ التَّقْرِيرِ يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى مَوْقُوفًا؛ لِأَنَّ فَاعِلَهُ غَيْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطْعًا، وَإِلَّا فَمَا اخْتِصَاصُ حَدِيثِ الْقَرْعِ بِهَذَا الْإِطْلَاقِ‏.‏

قُلْتُ‏:‏ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَلْتَزِمُهُ فِي غَيْرِ التَّقْرِيرِ الصَّرِيحِ كَهَذَا الْحَدِيثِ، وَغَيْرُهُ لَا يَلْزَمُهُ، وَيُسْتَأْنَسُ لَهُ بِمَنْعِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَابْنِ مُبَارَكٍ مِنْ رَفْعِ حَدِيثِ “ حَذْفُ السَّلَامِ سُنَّةٌ “ كَمَا سَيَأْتِي فِي آخِرِ هَذِهِ الْفُرُوعِ، عَلَى أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّ الْحَاكِمَ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ احْتِمَالُ كَوْنِ الْقَرْعِ بَعْدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ الِاسْتِئْذَانَ فِي حَيَاتِهِ كَانَ بِبِلَالٍ أَوْ بِرَبَاحٍ أَوْ بِغَيْرِهِمَا، وَرُبَّمَا كَانَ بِإِعْلَامِ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ‏.‏

بَلْ فِي حَدِيثِ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ‏:‏ “ احْتَجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ حُجْرَةً “، وَفِيهِ‏:‏ “ أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ لَيْلَةً “، وَقَالَ‏:‏ “ فَتَنَحْنَحُوا وَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ وَحَصَبُوا بَابَهُ “، وَلَمْ يَجِئْ فِي خَبَرٍ صَرِيحٍ الِاسْتِئْذَانُ عَلَيْهِ بِالْقَرْعِ‏.‏

وَإِنَّ فَائِدَةَ ذِكْرِ الْقَرْعِ مَعَ كَوْنِهِ بَعْدَهُ مَا تَضَمَّنَهُ مِنِ اسْتِمْرَارِهِمْ عَلَى مَزِيدِ الْأَدَبِ بَعْدَهُ؛ إِذْ حُرْمَتُهُ مَيِّتًا كَحُرْمَتِهِ حَيًّا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَهُوَ مَوْقُوفٌ مُطْلَقًا‏.‏ فَاللَّهُ أَعْلَمُ‏.‏

وَالْحَدِيثُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي عُلُومِهِ، وَكَذَا فِي الْأَمَالِي كَمَا عَزَاهُ إِلَيْهَا الْبَيْهَقِيُّ فِي مَدْخَلِهِ حَيْثُ أَخْرَجَهُ عَنْ رَاوٍ، وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ عَلَى عُلُومِ الْحَدِيثِ، لَهُ عَنْ رَاوٍ آخَرَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَمْرٍو الزِّيبَقِيِّ، بِالزَّايِ الْمَكْسُورَةِ الْمُشَدَّدَةِ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى الْمِنْقَرِيِّ، عَنِ الْأَصْمَعِيِّ، عَنْ كَيْسَانَ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ حَسَّانٍ، فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْآخَرِينَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَسَّانٍ، زَادَ الْبَيْهَقِيُّ‏:‏ هُوَ أَخُو هِشَامِ بْنِ حَسَّانٍ، وَهُوَ حَسَنُ الْحَدِيثِ‏.‏

ثُمَّ اتَّفَقُوا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، زَادَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي رِوَايَتِهِ‏:‏ عَنْ عَمْرِو بْنِ وَهْبٍ، ثُمَّ اتَّفَقُوا عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ‏:‏ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَعُونَ بَابَهُ بِالْأَظَافِيرِ‏.‏

وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ، أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ فِي جَامِعِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي غَسَّانَ مَالِكِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ النَّهْدِيِّ، وَضِرَارِ بْنِ صُرَدَ شَيْخِ حُمَيْدِ بْنِ الرَّبِيعِ فِيهِ، كِلَاهُمَا عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ زِيَادٍ الثَّقَفِيِّ، ثُمَّ افْتَرَقَا‏.‏

فَفِي رِوَايَةِ أَبِي غَسَّانَ‏:‏ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَصْبِهَانِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْمُنْتَصِرِ‏.‏

وَفِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ‏:‏ ثَنَا عُمَرُ بْنُ سُوَيْدٍ، يَعْنِي الْعِجْلِيَّ، كِلَاهُمَا عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ‏:‏ كَانَ بَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقْرَعُ بِالْأَظَافِيرِ‏.‏ لَفْظُ حُمَيْدٍ، وَلَفْظُ الْآخَرِ‏:‏ كَانَتْ أَبْوَابُ النَّبِيِّ‏.‏ وَالْبَاقِي سَوَاءٌ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَالتَّأْرِيخِ عَنْ أَبِي غَسَّانَ، وَالْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ ضِرَارٍ بِهِ‏.‏

‏[‏الْفَرْعُ الثَّالِثُ‏:‏ تفسير الصحابي‏]‏

‏(‏وَ‏)‏ أَمَّا ‏(‏عَدُّ مَا فَسَّرَهُ الصَّحَابِي‏)‏ الَّذِي شَاهَدَ الْوَحْيَ وَالتَّنْزِيلَ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ ‏(‏رَفْعًا‏)‏ أَيْ‏:‏ مَرْفُوعًا كَمَا فَعَلَ الْحَاكِمُ، وَعَزَاهُ لِلشَّيْخَيْنِ، وَهُوَ الْفَرْعُ الثَّالِثُ ‏(‏فَمَحْمُولٌ عَلَى الْأَسْبَابِ‏)‏ لِلنُّزُولِ، وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا مَجَالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ؛ لِتَصْرِيحِ الْخَطِيبِ فِيهَا بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الْآتِي‏:‏ قَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ، وَإِنَّمَا هُوَ مُسْنَدٌ؛ لِأَنَّ الصَّحَابِيَّ الَّذِي شَاهَدَ الْوَحْيَ إِذَا أَخْبَرَ عَنْ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي كَذَا كَانَ مُسْنَدًا، وَتَبِعَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ، وَقَيَّدَ بِهِ إِطْلَاقَ الْحَاكِمِ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مِنَ التَّفْسِيرِ مَا يَنْشَأُ عَنْ مَعْرِفَةِ طُرُقِ الْبَلَاغَةِ وَاللُّغَةِ كَتَفْسِيرِ مُفْرَدٍ بِمُفْرَدٍ، أَوْ يَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لِلرَّأْيِ فِيهِ مَجَالٌ، فَلَا يُحْكَمُ لِمَا يَكُونُ مِنْ نَحْوِ هَذَا الْقَبِيلِ بِالرَّفْعِ؛ لِعَدَمِ تَحَتُّمِ إِضَافَتِهِ إِلَى الشَّارِعِ‏.‏

أَمَّا اللُّغَةُ وَالْبَلَاغَةُ‏:‏ فَلِكَوْنِهِمْ فِي الْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ بِالْمَحَلِّ الرَّفِيعِ‏.‏

وَأَمَّا الْأَحْكَامُ‏:‏ فَلِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَفَادًا مِنَ الْقَوَاعِدِ، بَلْ هُوَ مَعْدُودٌ فِي الْمَوْقُوفَاتِ‏.‏

وَمِنْهُ- وَهُوَ الْمَرْفُوعُ- مَا لَا تَعَلُّقَ لِلِسَانِ الْعَرَبِ بِهِ وَهُوَ لَا مَجَالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ؛ كَتَفْسِيرِ أَمْرٍ مُغَيَّبٍ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا أَوِ الْآخِرَةِ أَوِ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ، أَوْ تَعَيُّنِ ثَوَابٍ أَوْ عِقَابٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ سَبَبِ نُزُولٍ؛ كَقَوْلِ جَابِرٍ‏:‏ كَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُ‏:‏ مَنْ أَتَى امْرَأَتَهُ مِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا، جَاءَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ‏:‏ ‏(‏نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ‏)‏ الْآيَةَ‏.‏

عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ‏:‏ إِنَّهُ يَكْفِي فِي تَسْوِيغِ الْأَخْبَارِ بِالسَّبَبِ الْبِنَاءُ عَلَى ظَاهِرِ الْحَالِ؛ كَمَا لَوْ سَمِعَ مِنَ الْكُفَّارِ كَلَامًا، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى مَا يُنَاقِضُهُ؛ إِذِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ نَزَلَ رَدًّا عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَى أَنْ يَقُولَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ هَذَا أُنْزِلَ لِسَبَبِ كَذَا، فَقَدْ وَقَعَ الْإِخْبَارُ عَنْهُمْ بِالْكَثِيرِ بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ الْحَالِ‏.‏

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الزُّبَيْرِ رضِيَ اللَّهُ عنهُ فِي قِصَّةِ الَّذِي خَاصَمَهُ فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ‏:‏ إِنِّي لَأَحْسَبُ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ‏:‏ ‏(‏فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ‏)‏ ‏[‏النِّسَاءِ‏:‏ 65‏]‏ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الرِّوَايَاتِ‏:‏ جَزَمَ الزُّبَيْرُ بِذَلِكَ، فَالرَّاجِحُ الْأَوَّلُ، وَأَنَّهُ كَانَ لَا يَجْزِمُ بِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَطَرَقَهُ الِاحْتِمَالُ‏.‏

وَأَمَّا التَّقْيِيدُ فِي قَائِلٍ مَا لَا مَجَالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ بِكَوْنِهِ مِمَّنْ لَمْ يُعْرَفْ بِالنَّظَرِ فِي الْكُتُبِ الْقَدِيمَةِ- فَسَيَأْتِي فِي سَادِسِ الْفُرُوعِ‏.‏

‏[‏الْفَرْعُ الرَّابِعُ‏:‏ قَول التابعي بعد ذكر الصحابي‏:‏ رَفَعَهُ أَوْ يَرْفَعُهُ‏]‏

‏(‏وَ‏)‏ الْفَرْعُ الرَّابِعُ، وَأُخِّرَ لِصُدُورِ أَلْفَاظِهِ مِمَّنْ دُونَ الصَّحَابِيِّ ‏(‏قَوْلُهُمْ‏)‏ أَيِ‏:‏ التَّابِعِيُّ فَمَنْ دُونَهُ بَعْدَ ذِكْرِ الصَّحَابِيِّ ‏(‏يَرْفَعُهُ‏)‏ أَوْ رَفَعَهُ أَوْ مَرْفُوعًا؛ كَحَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ‏:‏ “ الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثٍ‏:‏ شَرْبَةِ عَسَلٍ، وَشَرْطَةِ مِحْجَمٍ، وَكَيَّةِ نَارٍ، وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الْكَيِّ “ رَفَعَ الْحَدِيثَ‏.‏

وَكَذَا قَوْلُهُمْ‏:‏ ‏(‏يَبْلُغُ بِهْ‏)‏ أَوْ ‏(‏رِوِايَةً‏)‏ أَوْ ‏(‏يَرْوِيهِ‏)‏؛ كَحَدِيثِ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغْ بِهِ‏:‏ “ النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ “ وَبِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رِوَايَةَ “ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا صِغَارَ الْأَعْيُنِ “، وَكَحَدِيثِ سُفْيَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رِوَايَةَ “ الْفِطْرَةُ خَمْسٌ “ أَوْ ‏(‏يَنْمِيهِ‏)‏ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ النُّونِ، وَكَسْرِ الْمِيمِ؛ كَحَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ‏:‏ كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ‏.‏ قَالَ أَبُو حَازِمٍ‏:‏ لَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنَّهُ يَنْمِي ذَلِكَ‏.‏

وَكَذَا قَوْلُهُمْ‏:‏ يُسْنِدُهُ، أَوْ يَأْثِرُهُ، مِمَّا الْحَامِلُ عَلَيْهِ وَعَلَى الْعُدُولِ عَنِ التَّصْرِيحِ بِالْإِضَافَةِ، إِمَّا الشَّكُّ فِي الصِّيغَةِ الَّتِي سُمِعَ بِهَا أَهِيَ “ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ “، أَوْ “ نَبِيُّ اللَّهِ “ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ؛ كَسَمِعْتُ أَوْ حَدَّثَنِي، وَهُوَ مِمَّنْ لَا يَرَى الْإِبْدَالَ، كَمَا أَفَادَ حَاصِلَهُ الْمُنْذِرِيُّ، أَوْ طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ وَإِيثَارًا لِلِاخْتِصَارِ، أَوْ لِلشَّكِّ فِي ثُبُوتِهِ، كَمَا قَالَهُمَا شَيْخُنَا، أَوْ وَرَعًا؛ حَيْثُ عَلِمَ أَنَّ الْمَرْوِيَّ بِالْمَعْنَى ‏(‏رَفْعٌ‏)‏ أَيْ‏:‏ مَرْفُوعٌ بِلَا خِلَافٍ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ النَّوَوِيُّ، وَاقْتَضَاهُ قَوْلُ ابْنِ الصَّلَاحِ؛ وَكُلُّ هَذَا وَأَمْثَالُهُ كِنَايَةٌ عَنْ رَفْعِ الصَّحَابِيِّ الْحَدِيثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحُكْمُ ذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ حُكْمُ الْمَرْفُوعِ صَرِيحًا‏.‏ انْتَهَى‏.‏

وَيَدُلُّ لِذَلِكَ مَجِيءُ بَعْضِ الْمُكَنَّى بِهِ بِالتَّصْرِيحِ؛ فَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ لِحَدِيثِ‏:‏ “ الْفِطْرَةُ خَمْسٌ “ “ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ “، وَفِي بَعْضِهَا‏:‏ “ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ “، وَفِي بَعْضِهَا لِحَدِيثِ سَهْلٍ‏:‏ “ يَنْمِي ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ “، وَفِي بَعْضِهَا‏:‏ “ قَالَ مَالِكٌ‏:‏ يَنْمِي أَيْ‏:‏ يَرْفَعُ الْحَدِيثَ “‏.‏

وَالِاصْطِلَاحُ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ مُوَافِقٌ لِلُّغَةِ، قَالَ أَهْلُهَا‏:‏ نَمَيْتُ الْحَدِيثَ إِلَى غَيْرِي نَمْيًا، إِذَا أَسْنَدْتُهُ وَرَفَعْتُهُ، وَكَذَا فِي قَوْلِهِ‏:‏ “ وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الْكَيِّ “ دَلِيلٌ لِذَلِكَ، ‏(‏فَانْتَبِهْ‏)‏ لِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ وَمَا أَشْبَهَهَا مِمَّا الِاصْطِلَاحُ عَنِ الْكِنَايَةِ بِهَا عَنِ الرَّفْعِ‏.‏

تَتِمَّةٌ‏:‏ وَقَعَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ‏:‏ “ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْفَعُهُ “، وَهُوَ فِي حُكْمِ قَوْلِهِ‏:‏ “ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ “ وَأَمْثِلَتُهُ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا‏:‏ حَدِيثٌ حَسَنٌ ‏[‏عِنْدَ الْبَزَّارِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ‏:‏ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ يَرْفَعُهُ‏]‏‏:‏ “ إِنَّ الْمُؤْمِنَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ كُلِّ خَيْرٍ، يَحْمَدُنِي وَأَنَا أَنْزِعُ نَفْسَهُ مِنْ بَيْنِ جَنْبَيْهِ “، وَهَذَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الْإِلَهِيَّةِ، وَقَدْ جَمَعَ مِنْهَا ابْنُ الْمُفَضَّلِ الْحَافِظُ طَائِفَةً، وَأَفْرَدَهَا غَيْرُهُ‏.‏

‏[‏الْفَرْعُ الْخَامِسُ‏:‏ في ورود الألفاظ السابقة عن تبع الأتباع‏]‏

‏(‏وَإِنْ يَقُلْ‏)‏ وَاحِدٌ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي الْفَرْعِ قَبْلَهُ مِنْ رَاوٍ ‏(‏عَنْ تَابِعٍ‏)‏ مِنَ التَّابِعِينَ، وَهُوَ الْفَرْعُ الْخَامِسُ، وَقُدِّمَ عَلَى مَا بَعْدَهُ؛ لِاشْتِرَاكِهِ مَعَ الَّذِي قَبْلَهُ فِي أَكْثَرِ صِيَغِهِ، وَتَوَالَى كَلَامُ ابْنِ الصَّلَاحِ ‏(‏فَمُرْسَلُ‏)‏ مَرْفُوعٌ بِلَا خِلَافٍ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ‏:‏ جَزْمًا‏.‏

‏(‏قُلْتُ‏)‏‏:‏ وَ‏(‏مِنَ السُّنَّةِ‏)‏ كَذَا ‏(‏عَنْهُ‏)‏ أَيْ‏:‏ عَنِ التَّابِعِيِّ؛ كَقَوْلِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ التَّابِعِيِّ‏:‏ “ السُّنَّةُ تَكْبِيرُ الْإِمَامِ يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الْأَضْحَى، حِينَ يَجْلِسُ عَلَى الْمِنْبَرِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ تِسْعَ تَكْبِيرَاتٍ “ ‏(‏نَقَلُوا تَصْحِيحَ وَقْفِهِ‏)‏ عَلَى الصَّحَابِيِّ مِنَ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ حَكَاهُمَا النَّوَوِيُّ فِي شُرُوحِهِ لِمُسْلِمٍ، وَالْمُهَذَّبِ، وَالْوَسِيطِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، أَهْوَ مَوْقُوفٌ مُتَّصِلٌ أَوْ مَرْفُوعٌ مُرْسَلٌ‏؟‏ وَهُوَ مِمَّنْ صَحَّحَ أَيْضًا أَوَّلَهُمَا‏.‏

وَحِينَئِذٍ فَيُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا قَبْلَهَا مِنْ صِيَغِ هَذَا الْفَرْعِ؛ حَيْثُ اخْتَلَفَ الْحُكْمُ فِيهِمَا بِأَنْ “ يَرْفَعَ الْحَدِيثَ “ تَصْرِيحٌ بِالرَّفْعِ، وَقَرِيبٌ مِنْهُ مَا ذُكِرَ مَعَهَا بِخِلَافٍ “ مِنَ السُّنَّةِ “، فَيَطْرُقُهَا احْتِمَالُ إِرَادَةِ سُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ‏.‏

فَكَثِيرًا مَا يُعَبِّرُونَ بِهَا فِيمَا يُضَافُ إِلَيْهِمْ، وَقَدْ يُرِيدُونَ سُنَّةَ الْبَلَدِ، وَهَذَا الِاحْتِمَالُ وَإِنْ قِيلَ بِهِ فِي الصَّحَابِيِّ فَهُوَ فِي التَّابِعِيِّ أَقْوَى؛ وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ الْحُكْمُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، كَمَا افْتَرَقَ فِيمَا تَقَرَّرَ مِنَ التَّابِعِيِّ نَفْسِهِ‏.‏

نَعَمْ أَلْحَقَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِالصَّحَابَةِ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ فِي “ مِنَ السُّنَّةِ “، فَرَوَى فِي الْأُمِّ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ قَالَ‏:‏ سُئِلَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ الرَّجُلِ لَا يَجِدُ مَا يُنْفِقُ عَلَى امْرَأَتِهُ، قَالَ‏:‏ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا‏.‏ قَالَ أَبُو الزِّنَادِ‏:‏ فَقُلْتُ‏:‏ سُنَّةٌ‏؟‏ فَقَالَ سَعِيدٌ‏:‏ سُنَّةٌ، قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَالَّذِي يُشْبِهُ قَوْلَ سَعِيدٍ‏:‏ سُنَّةٌ، أَنْ يَكُونَ أَرَادَ سُنَّةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏.‏

وَكَذَا قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ‏:‏ إِذَا قَالَ سَعِيدٌ‏:‏ “ مَضَتِ السُّنَّةُ “، فَحَسْبُكَ بِهِ‏.‏ وَحِينَئِذٍ فَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنَ التَّابِعِينَ كَالْمُرْسَلِ، عَلَى مَا سَيَأْتِي‏.‏

أَمَّا إِذَا جَاءَ عَنِ التَّابِعِيِّ‏:‏ “ كُنَّا نَفْعَلُ “، فَلَيْسَ بِمَرْفُوعٍ قَطْعًا وَلَا بِمَوْقُوفٍ إِنْ لَمْ يُضِفْهُ لِزَمَنِ الصَّحَابَةِ، بَلْ مَقْطُوعٌ، فَإِنْ أَضَافَهُ احْتَمَلَ الْوَقْفَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ اطِّلَاعُهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَتَقْرِيرُهُمْ لَهُ، وَيَحْتَمِلُ عَدَمَهُ؛ لِأَنَّ تَقْرِيرَ الصَّحَابِيِّ لَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ، بِخِلَافِ تَقْرِيرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏.‏

‏(‏وَذُو احْتِمَالِ‏)‏ لِلْإِرْسَالِ وَالْوَقْفِ ‏(‏نَحْوُ أُمِرْنَا‏)‏ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، بِكَذَا، إِذَا أَتَى ‏(‏مِنْهُ‏)‏ أَيْ‏:‏ مِنَ التَّابِعِيِّ ‏(‏لِلْغَزَالِيِّ‏)‏ فِي الْمُسْتَصْفَى؛ فَإِنَّهُ قَالَ‏:‏ إِذَا قَالَ التَّابِعِيُّ‏:‏ “ أُمِرْنَا بِكَذَا “ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَمْرَ الشَّارِعِ، أَوْ أَمْرَ كُلِّ الْأُمَّةِ، فَيَكُونُ حُجَّةً، أَوْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ فَلَا، وَمِنْ ذَلِكَ يَنْشَأُ احْتِمَالَا الرَّفْعِ وَالْوَقْفِ‏.‏

وَلَكِنَّ قَوْلَهُ‏:‏ “ فَيَكُونُ حُجَّةً “ كَأَنَّهُ يُرِيدُ فِي الْجُمْلَةِ، إِنْ شَمِلَ الْأَوَّلَ فَإِنَّهُ مُرْسَلٌ، ثُمَّ إِنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِتَرْجِيحِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، نَعَمْ يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ تَرْجِيحُ إِرَادَةِ الرَّفْعِ أَوِ الْإِجْمَاعِ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ‏:‏ “ فَلَا “ لَكِنْ لَا يَلِيقُ بِالْعَالِمِ أَنْ يُطْلِقَ ذَلِكَ، إِلَّا وَهُوَ يُرِيدُ مَنْ تَجِبُ طَاعَتُهُ‏.‏

وَجَزَمَ أَبُو نَصْرِ بْنُ الصَّبَّاغِ فِي “ الْعُدَّةِ “ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ بِأَنَّهُ مُرْسَلٌ، وَحَكَى فِي سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ هَلْ يَكُونُ مَا يَأْتِي بِهِ مِنْ ذَلِكَ حُجَّةً وَجْهَيْنِ‏.‏

وَأَمَّا إِذَا قَالَ التَّابِعِيُّ‏:‏ “ كَانُوا يَفْعَلُونَ كَذَا “ فَلَا يَدُلُّ- كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ تَبَعًا لِلْغَزَالِيِّ- عَلَى فِعْلِ جَمِيعِ الْأُمَّةِ، بَلْ عَلَى الْبَعْضِ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ إِلَّا أَنْ يُصَرِّحَ بِنَقْلِهِ عَنْ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ، فَيَكُونُ نَقْلًا لِلْإِجْمَاعِ، وَفِي ثُبُوتِهِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ خِلَافٌ، وَالَّذِي قَالَهُ أَكْثَرُ النَّاسِ وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ‏.‏

وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ- وَهُوَ اخْتِيَارُ الرَّازِيِّ- إِلَى ثُبُوتِهِ، وَبِهِ جَزَمَ الْمَاوَرْدِيُّ، وَقَالَ‏:‏ وَلَيْسَ آكَدَ مِنْ سُنَنِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ تَثْبُتُ بِهِ، قَالَ‏:‏ وَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ أَمْ لَا، أَمَّا إِذَا قَالَ‏:‏ لَا أَعْرِفُ بَيْنَهُمْ فِيهِ خِلَافًا، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا؛ فَأَثْبَتَ الْإِجْمَاعَ بِهِ قَوْمٌ، وَنَفَاهُ آخَرُونَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، وَلَا مِمَّنْ أَحَاطَ عِلْمًا بِالْإِجْمَاعِ وَالِاخْتِلَافِ- لَمْ يَثْبُتِ الْإِجْمَاعُ بِقَوْلِهِ‏.‏

‏[‏الْفَرْعُ السَّادِسُ‏:‏ قول الصحابي مما لا مجال للاجتهاد فيه‏]‏

‏(‏وَ‏)‏ الْفَرْعُ السَّادِسُ، وَأُخِّرَ هُوَ وَالَّذِي بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُمَا مِنَ الزِّيَادَاتِ ‏(‏مَا أَتَى عَنْ صَاحِبٍ‏)‏ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ مِمَّا لَا مَجَالَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ‏.‏

‏(‏بِحَيْثُ لَا يُقَالُ رَأْيًا‏)‏ أَيْ‏:‏ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ ‏(‏حُكْمُهُ الرَّفْعُ‏)‏ تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِالصَّحَابِيِّ ‏(‏عَلَى مَا قَالَ‏)‏ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ فِي الْمَحْصُولِ، نَحْوُ‏:‏ “ مَنْ أَتَى سَاحِرًا أَوْ عَرَّافًا، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ “‏.‏ الْمَرْوِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضِيَ اللَّهُ عنهُ وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِذَلِكَ ‏(‏فَالْحَاكِمُ الرَّفْعَ لِهَذَا‏)‏ أَيْضًا ‏(‏أَثْبَتَا‏)‏ حَيْثُ تَرْجَمَ عَلَيْهِ فِي “ عُلُومِهِ “ مَعْرِفَةَ الْمَسَانِيدِ الَّتِي لَا يُذْكَرُ سَنَدُهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏.‏

وَأَدْخَلَ مَعَهُ فِي التَّرْجَمَةِ‏:‏ “ كُنَّا نَفْعَلُ “، وَ “ كَانَ يُقَالُ “ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا مَضَى‏.‏ بَلْ حَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِجْمَاعَهُمْ عَلَى أَنَّ قَوْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ- وَقَدْ رَأَى رَجُلًا خَارِجًا مِنَ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْأَذَانِ-‏:‏ أَمَّا هَذَا، فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مُسْنَدٌ‏.‏

وَأَدْخَلَ فِي كِتَابِهِ ‏(‏التَّقَصِّي‏)‏ الْمَوْضُوعَ لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ مِنَ الْمَرْفُوعِ، عِدَّةَ أَحَادِيثَ ذَكَرَهَا مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ مَوْقُوفَةً، مِنْهَا حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ‏.‏

وَصَرَّحَ فِي التَّمْهِيدِ بِأَنَّهُ لَا يُقَالُ مِنْ جِهَةِ الرَّأْيِ‏.‏ وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ‏:‏ قَدْ يَحْكِي الصَّحَابِيُّ قَوْلًا يُوقِفُهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَيُخْرِجُهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ فِي الْمُسْنَدِ؛ لِامْتِنَاعِ أَنْ يَكُونَ الصَّحَابِيُّ قَالَهُ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ؛ كَحَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ‏:‏ “ نِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مَائِلَاتٌ مُمِيلَاتٌ “، فَمِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ، فَيَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْنَدِ‏.‏

وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي “ الْقَبَسِ “‏:‏ إِذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ قَوْلًا لَا يَقْتَضِيهِ الْقِيَاسُ، فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُسْنَدِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ كَالْمُسْنَدِ‏.‏ انْتَهَى‏.‏

وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنَ احْتِجَاجِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْجَدِيدِ بِقَوْلِ عَائِشَةَ‏:‏ فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ‏.‏ حَيْثُ أَعْطَاهُ حُكْمَ الْمَرْفُوعِ؛ لِكَوْنِهِ مِمَّا لَا مَجَالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ، وَ إِلَّا فَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ لَيْسَ بِحُجَّةٍ‏.‏

وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ‏:‏ “ وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ، فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ “ وَقَوْلُ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ‏:‏ “ مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ “‏.‏

لَكِنْ قَدْ جَوَّزَ شَيْخُنَا فِي ذَلِكَ وَمَا يُشْبِهُهُ احْتِمَالَ إِحَالَةِ الْإِثْمِ عَلَى مَا ظَهَرَ مِنَ الْقَوَاعِدِ، بَلْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ أَيْضًا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ؛ أَمَّا السَّاحِرُ‏:‏ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى‏:‏ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ‏[‏الْبَقَرَةِ‏:‏ 102‏]‏‏.‏

وَأَمَّا الْعَرَّافُ، وَهُوَ الْمُنَجِّمُ‏:‏ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى‏:‏ قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ‏[‏النَّمْلِ‏:‏ 65‏]‏‏.‏

قَالَ شَيْخُنَا‏:‏ ‏(‏لَكِنَّ الْأَوَّلَ- يَعْنِي الْحُكْمَ لَهَا بِالرَّفْعِ- أَظْهَرُ‏)‏‏.‏ انْتَهَى‏.‏

عَلَى أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ- وَإِنْ جَاءَ مِنْ أَوْجُهٍ عَنْهُ بِصُورَةِ الْمَوْقُوفِ- فَقَدْ جَاءَ مِنْ بَعْضِهَا بِالتَّصْرِيحِ بِالرَّفْعِ، وَمِنَ الْأَدِلَّةِ لِلْأَظْهَرِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رضِيَ اللَّهُ عنهُ حَدَّثَ كَعْبَ الْأَحْبَارِ بِحَدِيثِ‏:‏ “ فُقِدَتْ أُمَّةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، لَا يُدْرَى مَا فَعَلَتْ “، فَقَالَ لَهُ كَعْبٌ‏:‏ ‏(‏أَأَنْتَ سَمِعْتَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُهُ‏؟‏‏)‏ فَقَالَ لَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ‏:‏ نَعَمْ، وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِرَارًا، فَقَالَ لَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ‏:‏ أَفَأَقْرَأُ التَّوْرَاةَ‏؟‏‏!‏ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي‏:‏ “ الْجِنِّ “ مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ مِنْ صَحِيحِهِ‏.‏

قَالَ شَيْخُنَا‏:‏ فِيهِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَمْ يَكُنْ يَأْخُذُ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَأَنَّ الصَّحَابِيَّ الَّذِي يَكُونُ كَذَلِكَ إِذَا أَخْبَرَ بِمَا لَا مَجَالَ لِلرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ فِيهِ، يَكُونُ لِلْحَدِيثِ حُكْمُ الرَّفْعِ‏.‏ انْتَهَى‏.‏

وَهَذَا يَقْتَضِي تَقْيِيدَ الْحُكْمِ بِالرَّفْعِ؛ لِصُدُورِهِ عَمَّنْ لَمْ يَأْخُذْ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ؛ فَقَالَ فِي مَسْأَلَةِ تَفْسِيرِ الصَّحَابِيِّ الْمَاضِيَةِ مَا نَصُّهُ‏:‏ إِلَّا أَنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا إِذَا كَانَ الصَّحَابِيُّ الْمُفَسِّرُ مِمَّنْ عُرِفَ بِالنَّظَرِ فِي الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ؛ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَغَيْرِهِ مِنْ مُسْلِمَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ‏.‏

وَكَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ؛ فَإِنَّهُ كَانَ حَصَلَ لَهُ فِي وَقْعَةِ الْيَرْمُوكِ كُتُبٌ كَثِيرَةٌ مِنْ كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ؛ فَكَانَ يُخْبِرُ بِمَا فِيهَا مِنَ الْأُمُورِ الْمُغَيَّبَةِ، حَتَّى كَانَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ رُبَّمَا قَالَ لَهُ‏:‏ حَدِّثْنَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا تُحَدِّثْنَا عَنِ الصَّحِيفَةِ‏.‏

فَمِثْلُ هَذَا لَا يَكُونُ حُكْمُ مَا يُخْبِرُ بِهِ مِنَ الْأُمُورِ النَّقْلِيَّةِ الرَّفْعَ؛ لِقُوَّةِ الِاحْتِمَالِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِتَجْوِيزِهِ السَّابِقِ؛ لِكَوْنِ الْأَظْهَرِ- كَمَا قَالَ- خِلَافَهُ‏.‏

وَسَبَقَهُ شَيْخُهُ الشَّارِحُ لِهَذَا التَّقْيِيدِ؛ فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ أَنَّ كَثِيرًا مَا يُشَنِّعُ ابْنُ حَزْمٍ فِي الْمُحَلَّى عَلَى الْقَائِلِينَ بِالرَّفْعِ، يَعْنِي فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ، قَالَ مَا مُلَخَّصُهُ‏:‏ وَلِإِنْكَارِهِ وَجْهٌ، فَإِنَّهُ- وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا مَجَالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ- يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الصَّحَابِيُّ سَمِعَهُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ؛ كَكَعْبِ الْأَحْبَارِ حِينَ سَمِعَ مِنْهُ الْعَبَادِلَةُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ، مَعَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ “ حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ “‏.‏

قُلْتُ‏:‏ وَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ يَبْعُدُ أَنَّ الصَّحَابِيَّ الْمُتَّصِفَ بِالْأَخْذِ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يُسَوِّغُ حِكَايَةَ شَيْءٍ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي لَا مَجَالَ لِلرَّأْيِ فِيهَا مُسْتَنِدًا لِذَلِكَ، مِنْ غَيْرِ عَزْوٍ مَعَ ‏[‏آيَةِ ‏(‏أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ‏)‏ ‏[‏الْعَنْكَبُوتِ‏:‏ 51‏]‏ الَّتِي جَنَحَ الْبُخَارِيُّ إِلَى تَبْيِينِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ “ لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ “ بِهَا وَ‏]‏ عِلْمُهُ بِمَا وَقَعَ فِيهِ مِنَ التَّبْدِيلِ وَالتَّحْرِيفِ؛ بِحَيْثُ سَمَّى ابْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ صَحِيفَتَهُ النَّبَوِيَّةَ الصَّادِقَةَ، احْتِرَازًا عَنِ الصَّحِيفَةِ الْيَرْمُوكِيَّةِ‏.‏

وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ- حِينَ سَأَلَ أَبَا مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيَّ‏:‏ كَيْفَ تَجِدُ قَوْمَكَ لَكَ‏؟‏ قَالَ‏:‏ مُكْرِمِينَ- مَا نَصُّهُ‏:‏ مَا صَدَّقَتْنِي التَّوْرَاةُ؛ لِأَنَّ فِيهَا‏:‏ إِذَا مَا كَانَ رَجُلٌ حَكِيمٌ فِي قَوْمٍ إِلَّا بَغَوْا عَلَيْهِ وَحَسَدُوهُ‏.‏

وَكَوْنُهُ فِي مَقَامِ تَبْيِينِ الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ كَمَا قِيلَ بِهِ فِي “ أُمِرْنَا وَنُهِينَا وَكُنَّا نَفْعَلُ “ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَحَاشَاهُمْ مِنْ ذَلِكَ، خُصُوصًا وَقَدْ مَنَعَ عُمَرُ رضِيَ اللَّهُ عنهُ كَعْبًا مِنَ الْحَدِيثِ بِذَلِكَ، قَائِلًا لَهُ‏:‏ لَتَتْرُكَنَّهُ، أَوْ لَأُلْحِقَنَّكَ بِأَرْضِ الْقِرَدَةِ‏.‏

وَأَصْرَحُ مِنْهُ مَنْعُ ابْنِ عَبَّاسٍ لَهُ وَلَوْ وَافَقَ كِتَابَنَا، وَقَالَ‏:‏ إِنَّهُ لَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى ذَلِكَ، وَكَذَا نَهَى عَنْ مِثْلِهِ ابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ، بَلِ امْتَنَعَتْ عَائِشَةُ مِنْ قَبُولِ هَدِيِّةِ رَجُلٍ، مُعَلِّلَةً الْمَنْعَ بِكَوْنِهِ يَنْعَتُ الْكُتُبَ الْأُوَلَ‏.‏

‏[‏قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ‏:‏ قُلْتُ لِلْأَعْمَشِ‏:‏ مَا لَهُمْ يَنْفُونَ تَفْسِيرَ مُجَاهِدٍ‏؟‏ قَالَ‏:‏ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ يَسْأَلُ أَهْلَ الْكِتَابِ‏]‏ وَلَا يُنَافِيهِ‏:‏ «حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ»؛ فَهُوَ خَاصٌّ بِمَا وَقَعَ فِيهِمْ مِنَ الْحَوَادِثِ وَالْأَخْبَارِ الْمَحْكِيَّةِ عَنْهُمْ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْعِبْرَةِ وَالْعِظَةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تِلْوَهُ فِي رِوَايَةٍ‏:‏ “ فَإِنَّهُ كَانَتْ فِيهِمُ الْأَعَاجِيبُ “‏.‏

وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ بَعْضِ أَئِمَّتِنَا‏:‏ هَذَا دَالٌّ عَلَى سَمَاعِهِ لِلْفُرْجَةِ لَا لِلْحُجَّةِ، كَمَا بَسَطْتُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَاضِحًا فِي كِتَابِي “ الْأَصْلُ الْأَصِيلُ فِي الْإِجْمَاعِ عَلَى تَحْرِيمِ النَّقْلِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ “‏.‏

إِذْ عُلِمَ هَذَا، فَقَدْ أَلْحَقَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بِالصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ مَا يَجِيءُ عَنِ التَّابِعِينَ أَيْضًا، مِمَّا لَا مَجَالَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ؛ فَنَصَّ عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ، وَادَّعَى أَنَّهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ، قَالَ‏:‏ وَلِهَذَا أَدْخَلَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ‏:‏ “ صَلَاةُ الْمَلَائِكَةِ خَلْفَ الْمُصَلِّي “‏.‏ انْتَهَى‏.‏

وَقَدْ يَكُونُ ابْنُ الْمُسَيَّبِ اخْتَصَّ بِذَلِكَ عَنِ التَّابِعِينَ، كَمَا اخْتَصَّ دُونَهُمْ بِالْحُكْمِ فِي قَوْلِهِ‏:‏ “ مِنَ السُّنَّةِ وَأُمِرْنَا “، وَالِاحْتِجَاجِ بِمَرَاسِيلِهِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي أَمَاكِنِهِ، وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ هُنَا التَّعْمِيمُ، وَبِهَذَا الْحُكْمِ أُجِيبَ مَنِ اعْتَرَضَ فِي إِدْخَالِ الْمَقْطُوعِ وَالْمَوْقُوفِ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ، كَمَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ فِي الْمَقْطُوعِ‏.‏